529
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

ما كان يرمي إليه عثمان في الحقيقة هو تسويغ حياته الباذخة من خلال الاستناد إلى فتوى كعب الأحبار، كما كان يريد أن يُغطّي على تصرّفاته في إنفاق الأموال على قرابته من بيت المال وهباته لذوي رحمه من دون حساب أو كتاب، ومن ثمّ كان يريد أن يسلم بنفسه من لوم أصحاب رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ونقدهم له خاصّة أبي ذرّ، ممّا يحتاج بيانه تفصيلاً إلى فرصة مستأنفة.۱
ج ـ بالنسبة للأحاديث التي تحدّثت عن مقادير مختلفة "للكنز" فهي ناظرة إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية مختلفة؛ حيث تتفاوت الاحتياجات المالية للإنسان تبعا لتلك الأوضاع واستنادا إلى حجم التضخّم، ثمّ يدخل ما زاد عن ذلك في الثروة المكتنزة التي يجب أن تُؤدّى زكاتها ويدفع ما يترتّب عليها من حقوق مالية.
د ـ هناك الروايات التي تمنع الإنسان المسلم من ادّخار المال فوق حدٍّ معيّن سواء أدّى زكاته أم لم يؤدِّها، وكذلك تلك الأحاديث التي ترسم حدّا معلوما للثروة يجدر بالإنسان المسلم أن يلتزم به ولا يتخطّاه، هذان الضربان من الحديث يمكن أن يكون فيهما إشارة إلى حقيقتين اقتصاديّتين مهمّتين في الإسلام:
الاُولى: أنّ ادّخار الثروة من حلال يبقى مشروعا مادام لا يضرّ باقتصاد المجتمع.
الثانية: في ذلك تحذير للمتموّلين والأثرياء الملتزمين بالاُصول الإسلامية؛ فحواه أنّ ادّخار الثروة وإن كان من حلال يمكن أن يتحوّل أيضا إلى خطر على شخص الثريّ نفسه إذا تخطّت الثروة قدرا معيّنا يتفاوت باختلاف الأوضاع

1.. انظر: موسوعة الإمام علي بن أبي طالب: ۳ / ۱۳۷ «مبادئ الثورة على عثمان».


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
528

ثمّ سيحظى الناس بمستوى معقول من الحياة المرفّهة الكريمة. هذه المعطيات يشير إليها عدد من الأحاديث الواردة في هذا المعنى.۱
. على ضوء ما مرّ في النقطتين الآنفتين يمكن تفسير الأحاديث التي جاءت بشأن "الكنز" على النحو التالي:
أ ـ الأحاديث التي تطلق وصف "الكنز" على مطلق المال المدّخر ناظرة ـ في الحقيقة ـ إلى الحقوق المالية الواجبة؛ ذلك أنّ التخلّف عن أداء هذه الحقوق ـ حتّى على مستوى القيراط الواحد ـ يعدّ كنزا، ومن ثمّ إذا لم يؤدّ الإنسان ذلك الحق فسيكون مشمولاً بآية "الكنز".
ب ـ إنّ الأحاديث التي تفسّر "الكنز" بأنّه المال الذي لم تؤدّ زكاته ناظرة إلى دفع الحقوق المالية الواجبة، بحيث إذا ما اُدّيت هذه الحقوق فستحلّ مشكلات المجتمع الاقتصادية. على هذا يجوز ادّخار الثروة بالنسبة لمن أدّى ما عليه من الحقوق المالية الواجبة، وذلك إلى الحدود التي لا تلحق الضرر في البنيان الاجتماعي، وبالصيغة التي لا تقود إلى تعميق الفوارق الطبقية الفاحشة. وهذا غير المعنى الذي ذهب إليه كعب الأحبار عندما سأله عثمان: «ما تقول في رجلٍ أدّى زكاةَ ماله المفروضة، هل يجب عليه في ما بعد ذلك شيء؟» فقال كعب الأحبار: «لا، ولو اتّخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ما وجب عليه شيء»!۲
لا ريب أنّ الإسلام لا يجوّز مثل هذا التراكم الهائل في الثروة، ولا يسمح بمثل هذا الادّخار الفاحش للمال، خاصّة عندما يكون من بيت مال المسلمين.۳

1.. راجع: ص ۴۴ المدخل .

2.. انظر : ص ۵۰۹ التحذير من الكنز .

3.. انظر: الفقرة د.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6130
صفحه از 688
پرینت  ارسال به