525
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

وُضعت هذه المفردة للمال المتراكم الذي لا يأخذ موقعه في عجلة الإنتاج، ويفضي إلى بروز الاختلاف الطبقي في المجتمع.

الكنز من جهة كونه تراكما للمال وخزنا له هو كالاحتكار، لكن مع فارق في المفهومين؛ فالغرض من الخزن في الاحتكار هو المبادرة إلى البيع بعد غلاء السلعة، ولذلك هناك أهمّية خاصّة للسلعة بالنسبة إلى المحتكر، وخصوصية السلعة هي محطّ نظر المحتكر. أمّا في الكنز، فلمّا كان هدف تراكم الثروة وخزنها هدفا ماليّا، فسيتضاءل عنصر خصوصية السلعة، ويتمّ التركيز أكثر على عنصر التمحّض المالي.

انطلاقا من هذا المنظور، اكتسب النقدان الذهب والفضّة قيمة مضاعفة على هذا الصعيد بسبب قيمتهما الاستعمالية كنقد، ولإمكانية ادّخارهما بحجم صغير، وبالنتيجة صارا أبرز أدوات الكنز في الماضي.

تدلّ المشاهدات التأريخية على أنّ أصحاب الكنوز كانوا يبادرون في الماضي إلى دفن مدّخراتهم وكنوزهم في الأرض حفاظا عليها، وما يُكشف لنا عنه في الوقت الحاضر هو جزء من تلك الكنوز المدفونة. ربّما لهذا السبب عرّف بعضهم الكنز بأنّه المال المدفون، لكن تفحّص ما مرّت إليه الإشارة يدلّ على أنّ خصوصية الدفن لم تؤخذ في مفهوم الكنز.

الكنز في القرآن

موضوع "الكنز" في الآية الكريمة: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ»۱ هو مطلق المال المدّخر، وقيد "الذهب والفضّة" هو قيد غالبي، كمثل قوله: «وَرَبَلءِبُكُمُ الَّتِى

1.. التوبة: ۳۴.


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
524

الخلفية التأريخية

يرجع الكنز من وجهة نظر تأريخية إلى العصر الذي شهد تحوّلاً في النشاطات الاقتصادية، بحيث راح الإنتاج العائلي يتخطّى احتياجات الاُسرة السنوية، ومن ثمّ خرج الاقتصاد من صورته المعيشية البدائية واستبدل بالاقتصاد التبادلي. على أرضية هذا التحوّل والتكامل في المسار الاقتصادي برزت ظاهرة الكنز. فمع ظهور عنصر المبادلة صار بمقدور كلّ اُسرة أن تنتج من السلع ما يزيد عن حاجتها وأن تبادر إلى تبادل البضاعة مع الآخرين، وقد كان يحصل أحيانا بعد المبادلة ازدياد في مجموع إنتاج الاُسرة ودخلها عن مقدار ما تستهلكه.

لادّخار الفائض الاقتصادي الذي تحقّقه الاُسرة بين ما تنتجه وما تستهلكه، كان هناك طريقان لا ثالث لهما؛ فإمّا أن يعاد الفائض إلى عجلة الإنتاج مجدّدا بصيغة ثروة، وعندئذٍ فإنّ الازدياد الدائم في ثروة أصحاب الفائض الاقتصادي وإن كان يؤدّي إلى وجود الاختلاف الطبقي، إلاّ أنّه يفضي إلى تنشيط الفعّاليات الاقتصادية، وازدهار حركة الإنتاج بشكل عامّ.

أمّا الطريق الثاني فكان يتمثّل بتحويل الفائض إلى بضاعة بحجم أصغر لكن بقيمة اقتصادية أكبر، يمكن الحفاظ عليها وادّخارها.

إنّ المال الذي يدّخر بهذه الصيغة ويخرج عن مدار الحركة الاقتصادية ويكون بعيدا عن متناول الناس واستفادتهم، هو الذي اكتسب عنوان "الكنز". ومن ثمّ فقد

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5801
صفحه از 688
پرینت  ارسال به