41
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

بتعبير آخر: في الوقت الذي يؤمن فيه الإسلام بدور العلم، والإدارة، والعمل، وتنظيم السوق، والركون إلى نموذج استهلاكي سليم ومعافى، ودور الدولة في التخطيط الهادف الصحيح، بوصفها عناصر ستّة تؤلّف أركان التنمية الاقتصادية، وفي الحال الذي يرى أنّه من الضروري بذل الجهود لرفع معدّل النموّ في الدخل القومي الإجمالي والارتقاء بمستوى تقنية الإنتاج، وفي الوقت الذي يتوفّر على برنامج لخفض معدّل الفقر وتعديل ميزان الثروة في المجتمع؛۱ تراه يؤمن أيضا بأثر المعتقدات الدينية الصحيحة والأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة في التنمية الاقتصادية.۲ هذا هو المعنى الذي يرمي إليه الإسلام من خلال إدخال دور الإيمان والمعنويّات في الاقتصاد، لا إلغاء الجانب المادّي وتعطيل العوامل الطبيعية.

1.. تتمثّل بعض تدابير الإسلام لتعديل التوزيع في الثروة وخفض معدّل الفقر، بالخطوات التالية:
۱ ـ بخلاف النظام الرأسمالي الذي يعهد بمهمة تعديل التوزيع في الثروات إلى مرحلة ما بعد نمو الإنتاج، يلتزم الإسلام موقفا معاكسا وهو يعمد إلى الحؤول دون ظهور عدم المساواة منذ البداية، ويبادر إلى اتّخاذ التدابير التي تمنع بروز الفقر بدءا، حيث تتجلّى بعض خطواته على هذا الطريق بوضع الثروات الطبيعية ـ مثل المعادن الضخمة، ومنابع المياه الكبيرة، والأراضي الموات، وأراضي الفيء، وما إلى ذلك ـ في إطار الملكية العامة، وذلك: «كَىْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ» الحشر : ۷.
۲ ـ تعمد الأحكام ذات الشأن بسبل كسب الثروة وطريقة توزيعها بين عوامل الإنتاج ـ مثل حرمة الاحتكار، وحرمة الربا، وحرمة الغشّ في المعاملة، وما يماثلها ـ إلى الحؤول دون بروز الملكيّات الضخمة، وتمنع من وقوع الاختلافات الطبقية الفاحشة.
۳ ـ يُصار إلى توزيع الدخول والثروات مجدّدا عن طريق دفع الحقوق الشرعية؛ مثل الخمس والزكاة.
۴ ـ يفسح الإسلام المجال للتوزيع الاختياري الحر للدخول والثروات من خلال مساعدة الأغنياء للفقراء.
۵ ـ من خطوات الإسلام الاُخرى توزيع الثروة لصالح الفقراء عن طريق ضروب الكفّارات.

2.. انظر: ص ۲۹۷ مبادئ التنمية.


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
40

من الثابت أنّ الإسلام لا يتعامل مع المعطيات التي يطرحها الاقتصاديّون المعاصرون انطلاقا من إحدى المرجعيّتين الفكريّتين السائدتين (الرأسمالية والاشتراكية)، من موقع الرفض المطلق أو التأييد المطلق. كلاّ، إنّما يتحتّم على خبراء الاقتصاد الإسلامي أن يستفيدوا من النقاط الإيجابية في كلا المنظومتين، ويعمدوا إلى حذف العناصر السلبية فيهما؛ للوصول إلى مشروع يمثّل الآليّات الإسلامية للتنمية ومساراتها، بشرط أن تتمّ العملية بأكملها في إطار المنظومة الاقتصادية الإسلامية وانطلاقا من المذهب الاقتصادي في الإسلام.

مثل هذه الخطوة ـ لو تمّت ـ ستكون مبادرة عظيمة تقدّم أفضل خدمة من قبل هؤلاء للمجتمعات الإسلامية، وتساهم في إشاعة الثقافة الإسلامية الواقعية على مستوى البشرية جمعاء.

على ضوء التعاليم الإسلامية ستتوفّر هذه المسارات، و تتّسم آليّاتها بثلاثة خصائص، هم:

أ ـ دور القيم المعنوية في التنمية الاقتصادية

قبل إدلاء أيّ ضرب من التوضيح حيال دور الاُمور المعنوية في التنمية الاقتصادية، من الضروري الإيماء إلى أنّ الإيمان بتأثير المعنويّات في الاقتصاد لا يعني ـ في إطار الرؤية الكونية الإسلامية ـ نفي الأسباب المادّية، ولا الخفض من الدور الذي تؤدّيه في الاقتصاد. كلاّ، بل المقصود إيمان الإسلام ـ بالإضافة إلى العناصر المادّية المعروفة في التنمية ـ بوجود عوامل اُخرى مجهولة لها تأثيرها في هذا الإطار.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5666
صفحه از 688
پرینت  ارسال به