39
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

المكنونات الذاتية في الإنسان؛ وصولاً إلى الكمال المطلق، وتحقيقا للسعادة الأبدية الخالدة، وما التنمية الاقتصادية إلاّ مقدّمة لهذا الهدف. انطلاقا من هذا المعنى يسجّل الإسلام أنّ المجتمع الإنساني يحتاج لكي يحقّق الرفاه الشامل ويرقى إلى مستوى الكمال المطلق أن يُعنى ـ إلى جانب الشواخص المادّية والدنيوية؛ كالدخل القومي الإجمالي، ومعدّل التعليم، والحصول على مختلف إمكانات الحياة، وحرّية الاختيار، والمشاركة السياسية، وما إلى ذلك ـ بضرورات اُخرى متمثّلة بنموّ الشواخص المعنوية ورقيّها ؛ مثل الإيمان، والأخلاق، والأعمال الصالحة.

۳. آليّات التنمية ومساراتها

نعرف جميعا أنّ ما هو موجود من آليّات التنمية الاقتصادية ومساراتها في العالم المعاصر يرجع إلى نمَطَي التفكير الرأسمالي أو الاشتراكي.

تذهب المدرسة الرأسمالية إلى أنّ آليّات السوق هي السبيل الأفضل لتحقيق هذا الهدف، على حين تقدّم الاشتراكية خياراتها في هذا المضمار على أساس نمط التخطيط المركزي، وترجّح من ثمّ نظام تبنّي الدولة للاقتصاد.

على هذا الضوء لا يمكن الحديث عن إجماع علماء الاقتصاد وخبرائه حيال مقولة آليّات التنمية الاقتصادية ومساراتها.۱

1.. عكف الاقتصاديون على تقديم حلول مختلفة تبعا لانتمائهم الفكري وميلهم إلى إحدى المنظومتينالموجودتين. فالاتجاه الذي يرى المشكلة الأساسية متمثّلة بقلّة الذخائر ونقص التراكم في رأس المال وأنّ الهدف هو نموّ الدخل القومي وازدياده، اقترح اللجوء إلى آليات المال، والاقتصاد المفتوح، والتصنيع، وما إلى ذلك. في المقابل ذهب اتّجاه آخر ـ ممّن عدَّ الفقر وتفشّي اللامساواة وغياب عدالة التوزيع هي العناصر الأبرز في المشكلة الاقتصادية ـ إلى اختيار مسارات اُخرى ؛ كإعادة توزيع الدخل، والاهتمام بالمتطلّبات الأساسية. هكذا تختلف الخيارات والأولويات بين الفريقين تبعا لاختلاف المرجعية الفكرية.


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
38

في منظومة الحضارة المادّية تنتصب التنمية المادّية بصفتها المثل الأعلى الذي يتحرّاه الإنسان والغاية التي يسمو إليها. على ناصية هذا التصوّر انحازت البلدان المتقدّمة إلى هذه الرؤية بتوظيف مكثّف لوسائل الدعاية الضخمة التي تملكها، بحيث راحت تشيع عبر تفوّقها في التنمية الاقتصادية أنّ نموذجها الحياتي ونسقها الإنساني هما الأوفق من بقيّة الاُمم والأكثر إنسانية من غيرها!

عندما تتمركز الاُمور في شيء ويكون هو الهدف، فمن الطبيعي أن يتحوّل إلى مركز ثقل تحتشد فيه جميع القيم والمثل، ويصير دائرة استقطاب تنجذب إليها كلّ الجهود والتحوّلات. هذا هو الموقع المكين الذي راحت تحظى به التنمية الاقتصادية في العصر الجديد.

في السنوات التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية حين انطلق الحديث جادّا عن مقولتَي التقدّم والتخلّف، راحت مجموعة بلدان العالم الثالث تتطلّع إلى ما بلغه مستوى التنمية الاقتصادية في المنظومة الغربية بوصفه المثل الأعلى والإطار النموذجيّ الذي تتوخّى الوصول إليه. تحوّلت هذه الحالة في المرحلة تلك إلى قالب فكري يشدّ أذهان كثير من مفكّري العالم الثالث إلى محور التنمية الاقتصادية، وضرورة إيجاد التحوّل على الصعيدين الثقافي والاجتماعي من أجل تحقيق النموّ الاقتصادي.۱

أما في الحضارة الإسلامية، فالتنمية الاقتصادية ليست الهدف الأعلى بل الهدف في هذه الحضارة أن تتفتّح جميع الاستعدادات الإنسانية وتتفجّر

1.. بالرغم من أنّ كثيرا من مفكّري البلدان المتقدّمة أدرك عُقم هذه الثقافة، وذلك نتيجة ما لمسوه منأضرار إنسانية وبيئية ضخمة برزت كتبعات سلبية لثقافة التمركز الاقتصادي وتصنيم معدّل النموّ بمداه المادي، إلاّ أن مثل هذا النمط من التفكير لا يزال يملأ الفضاء الثقافي لأغلب البلدان المتخلّفة غير النامية، ويفرض هيمنته عليها.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5960
صفحه از 688
پرینت  ارسال به