في منظومة الحضارة المادّية تنتصب التنمية المادّية بصفتها المثل الأعلى الذي يتحرّاه الإنسان والغاية التي يسمو إليها. على ناصية هذا التصوّر انحازت البلدان المتقدّمة إلى هذه الرؤية بتوظيف مكثّف لوسائل الدعاية الضخمة التي تملكها، بحيث راحت تشيع عبر تفوّقها في التنمية الاقتصادية أنّ نموذجها الحياتي ونسقها الإنساني هما الأوفق من بقيّة الاُمم والأكثر إنسانية من غيرها!
عندما تتمركز الاُمور في شيء ويكون هو الهدف، فمن الطبيعي أن يتحوّل إلى مركز ثقل تحتشد فيه جميع القيم والمثل، ويصير دائرة استقطاب تنجذب إليها كلّ الجهود والتحوّلات. هذا هو الموقع المكين الذي راحت تحظى به التنمية الاقتصادية في العصر الجديد.
في السنوات التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية حين انطلق الحديث جادّا عن مقولتَي التقدّم والتخلّف، راحت مجموعة بلدان العالم الثالث تتطلّع إلى ما بلغه مستوى التنمية الاقتصادية في المنظومة الغربية بوصفه المثل الأعلى والإطار النموذجيّ الذي تتوخّى الوصول إليه. تحوّلت هذه الحالة في المرحلة تلك إلى قالب فكري يشدّ أذهان كثير من مفكّري العالم الثالث إلى محور التنمية الاقتصادية، وضرورة إيجاد التحوّل على الصعيدين الثقافي والاجتماعي من أجل تحقيق النموّ الاقتصادي.۱
أما في الحضارة الإسلامية، فالتنمية الاقتصادية ليست الهدف الأعلى بل الهدف في هذه الحضارة أن تتفتّح جميع الاستعدادات الإنسانية وتتفجّر