309
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

ثانيا: ثمّة آيات وروايات مستفيضة بل متواترة تحثّ الناس على المثابرة والعمل، وتدعو المسلمين إلى تأمين احتياجاتهم الحياتية من خلال تحمّل الأذى وتجشّم العناء في هذا السبيل، وهي إلى ذلك تُرجع الفقر والتخلّف إلى التواني والكسل، ثمّ تلوم من يُلقي بكلِّه على المجتمع ويكون عالة عليه، بل تلعن من يقصّر في إيفاء متطلّبات عائلته ولا ينهض بمسؤولية تأمين احتياجاتها، وتصفه بأنّه مذنب. كلّ هذه تشهد على أنّ الدور الذي تلعبه التقوى يأتي إلى جوار العمل، لا متقاطعا معه.۱

ثالثا: ما ورد من أحاديث في تفسير الآية الكريمة: «وَ مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُو مَخْرَجًا * وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ» هو أنصع شاهد على ما ندّعيه؛۲ فحين تناهى إلى سمع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنّ جمعا من الصحابة لم يدركوا مغزى الآية ولم يفهموها على نحو صحيح حيث تركوا العمل وانصرفوا إلى العبادة، بعث إليهم وسألهم: «ما حمَلَكم على ما صنعتم؟».

قالوا: يا رسول اللّه‏، تُكفِّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة.

فقال: «إنّه من فعل ذلك لم يُستجب له، عليكم بالطلب!».۳

ربّما يُثار سؤال في هذه الأجواء عن طبيعة التأثير الذي يمكن أن تؤدّيه التقوى في التنمية الاقتصادية إلى جوار العمل؟ ثمّ كيف يمكن تحديد هذا التأثير ومعرفته؟

ما نستشفّه من النصوص الإسلامية أنّ للتقوى أثرين مهمّين تنهض بهما في التنمية الاقتصادية إلى جوار العمل، هما:

1.. انظر: ص ۱۴۴ (التحذير من التواني في العمل).

2.. انظر: ص ۱۵۰ ، ح ۳۸۸ وص ۱۵۱ ، ح ۳۹۴ .

3.. انظر: ص ۱۵۱ ، ح ۳۹۴ .


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
308

به الإنسان الذي يبذل الجهد على كلّ حال، بحيث لا يبتلى بمرض الحرص، ولا يدفعه تأمين المعاش إلى الاعتداء على حقوق الآخرين واجتراح ما لا يليق.

هذه هي الحكمة التي تلوح للنظر، لا أن يكفّ الإنسان عن العمل ويعزف عن الطلب بدعوى الإيمان بالتقدير وتقسيم الأرزاق.

۳. التقوى والتنمية

نقرأ في النصوص ذات الصلة بالمبادئ الاعتقادية للتنمية، أنّ اللّه‏ سبحانه ضَمن لثلاثة أصناف رزقهم من غير احتساب؛ بحيث تأتيهم أرزاقهم خارج نطاق الحسابات العاديّة، هؤلاء هم: المتّقون، وأهل التوكّل، والمتفقّهون في الدين. يمكن القول بإزاء هذه النصوص: إنّ ذكر الطائفتين الثانية والثالثة جاء من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ من حيث إنّ التوكّل والتفقّه في الدين هما من اللوازم البارزة للتقوى؛ إذ لابدّ من تحقّق التقوى بمفهومها الكامل من التوكّل والتفقّه معا.

سؤالان هامّان يُثاران إزاء هذه الرؤية؛ الأوّل: ما المقصود من أنّ التقوى هي سبب للرزق من غير المسارات الطبيعية؟ ثمّ هل التقوى ـ كسبب للرزق ـ هي في طول العمل وبذل الجهد، أم هي في عرضهما؟

لا ريب أنّ الإقرار بدور تؤدّيه التقوى في التنمية الاقتصادية يأتي في طول العمل وامتداده لا في عرضه. ما يمكن أن يثبت هذا المدّعى بوضوح هو:

أوّلاً: السيرة القطعية لأنبياء اللّه‏ ورسله الكرام وأئمّة الدين، وهم الذروة في أهل التقوى والقمّة الشاهقة لأهل التوكّل؛ فهذه سيرتهم تشهد بنصاعةٍ على أنّ مسار التقوى والتوكّل في حياتهم إنّما هو في امتداد العمل، لا في عرضه.۱

1.. انظر: ص ۱۳۶ ، (سيرة الأنبياء والأوصياء في طلب الرزق).

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6497
صفحه از 688
پرینت  ارسال به