307
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

والاقتصادية للأفراد التي تختلف هي الاُخرى. أمّا الحكمة من وراء هذه الاختلافات فهي تتمثّل في أن يتّجه كلّ إنسان لإيفاء جزء من احتياجات المجتمع.۱

إنّ الإيمان بالتقدير وتقسيم الأرزاق على هذا النحو من التفسير، يفضي إلى ترتّب أثرين مهمّين وفاعلين على صعيد النشاطات الاقتصادية، هما:

الأثر الأوّل: أن تتّجه الجهود وتساق نحو مسارها الصحيح، بحيث يختار كلّ إنسان طريقا لتحصيل رزقه يتناسب مع طاقاته واستعداداته الوجودية. وهذا ما حثّت عليه الروايات الإسلامية بهذا الشأن وأوصت به: «مَن رُزق في شيء فليلزمه».۲

الأثر الثاني: استشعار الاستقرار النفسي وهدوء البال، فالإنسان الذي يؤمن بالتقدير وتقسيم الأرزاق سيدرك أنّ الجهود التي تبذَل في نطاق المقدّرات التي تستند إلى الاستعدادات ستثمر وتؤتي اُكُلها، وأن ليس بمقدور كلّ إنسان أن ينال كلّ شيء، ومن ثمّ سيتخلّص من آسار الحرص والطلب الشديد، ولا يلقي بنفسه في لهوات معاناة لا معنى لها ولا ثمرة من ورائها، فيستشعر عندئذٍ ـ ومن خلال الرضا بالتقدير ـ حالة الهدوء والاطمئنان.

يمكن القول باختصار: إنّ الحكمة التي تُستشفّ من وراء تركيز النصوص الإسلامية على تقدير الأرزاق وتقسيمها تبرز من جهة في سَوق الجهود ووضعها في المسار الصحيح، كما تتجلّى من جهة اُخرى بالاستقرار النفسي الذي يحظى

1.. «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًاسُخْرِيًّا» الزخرف: ۳۲.

2.. انظر: ص ۱۷۲ (ملازمة ما تيسّر له من المكسب).


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
306

بحيث لا يتعارض التقدير مع مبدأ الاختيار، بعكس الموجودات التي لا إرادة لها حيث تعدّ مقدّراتها جبرية.

على سبيل المثال: قدّر اللّه‏ سبحانه للشمس والقمر مسارا خاصّا يتحرّكان فيه في نظام التكوين،۱ وهذا التقدير الحكيم يتحقّق على نحو جبري. أمّا بشأن ما له إرادة من الموجودات فقد اقتضى التقدير الإلهي أن لا يتحقّق فعل من دون إرادتها وتبعا لقدرتها على الاختيار.

يصرّح القرآن بهذه الحقيقة وهو يقول: «وَ أَن لَّيْسَ لِلاْءِنسَنِ إِلاَّ مَا سَعَى». على هذا، مادام الإنسان موجودا ذا إرادة فإنّ ما يقضي به التقدير الإلهي أنّه كلّما بذل جهودا أكبر فإنّه يتقدّم صوب مقدّراته أكثر. من هذه الزاوية جاء تركيز الأحاديث الإسلامية على أنّ اللّه‏ سبحانه ضَمن رزق الإنسان، بيد أنّ هذا الضمان مشروط لصاحبه بالطلب والعمل والحركة وبذل الجهد.۲

الثالثة: ما يعنيه تقسيم الأرزاق في نظام التكوين؛ هو أنّ مقدّرات كلّ إنسان متناسبة مع بنيته الجسمية ومقتضياته الروحية والفكرية، وهي على اتّساق مع محيطه الطبيعي وفضائه العائلي والاجتماعي، ومن ثمّ فإنّ جهوده ستتكلّل بالنجاح في حال اتّساقها مع مسير مقدّراته.

يمكن مقاربة الحالة من خلال مثال عرفي: فكما هناك فارق بين المقدّرات العلمية للإنسان الذي ينطوي على ذاكرة قويّة وبين مقدّرات الإنسان الذي له ذاكرة متوسّطة أو ضعيفة، فكذلك الحال بالنسبة إلى المقدّرات المالية

1.. «وَ الشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَ لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَ الْقَمَرَ قَدَّرْنَـهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» يس : ۳۸ و ۳۹.

2.. انظر: ص ۳۳۱ مضمون لطالبه.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6543
صفحه از 688
پرینت  ارسال به