305
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

الإنساني، كما لا يعطّل دوره في تحديد مصير حياته المادّية والمعنوية. فاللّه‏ ـ جلّ جلاله ـ "رازق"، بيد أنّه ترك الإنسان حرّا لكي يمضي في تعيين مصيره بنفسه.۱

ب ـ التقدير وتقسيم الأرزاق

على ضوء ما مرّ، من الضروري الانتباه إلى عدد من الملاحظات لتبيين معنى التقدير وتقسيم الأرزاق في الرؤية الكونية التوحيدية وموقعهما من التنمية الاقتصادية. هذه الملاحظات هي:

الاُولى: حين النظر إلى مصطلح "التقدير" من خلال ارتباطه بالظواهر الكونية، فهو يحكي صيرورة كلّ ظاهرة ودوامها على أساس نظام دقيق وحكيم. فمن وجهة نظر الإسلام ما من ظاهرة إلاّ وقد خُلِقت بقدر وعلى أساس الحكمة الإلهية۲، وليس هناك في نظام الوجود أمر جزافي، بل كلّ شيء يمضي بسبب۳ وله مساره الخاصّ، بحيث يؤدّي دوره الوجودي في نطاق شروط خاصّة.

على هذا، لن تشذّ ظاهرة "الرزق" والتنمية الاقتصادية أو التخلّف عن هذا القانون التكويني الإلهي العامّ، بل لهذه الظواهر أسبابها الخاصّة وعواملها التي تتحرّك من خلالها على أساس الحكمة الإلهية البالغة، وبالنتيجة لا معنى لتقدير الأرزاق غير هذا.

الثانية: ثمّة دور للاختيار في مقدّرات الموجودات ذات الإرادة كالإنسان

1.. «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ» الرعد : ۱۱.

2.. «إِنَّا كُلَّ شَىْ‏ءٍ خَلَقْنَـهُ بِقَدَرٍ» القمر: ۴۹.

3.. قال الإمام الصادق عليه‏السلام: «أبى اللّه‏ أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب» الكافي: ۱/۱۸۲/۷ .


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
304

المنطق أو لاحظ السيرة العملية للعارفين به؛ سيكون من السهل عليه أن يرى بأنّ هذه المعتقدات ليست أنّها لا تحول دون التنمية وحسب، بل هي أفضل عامل ذاتي لتحقّق التنمية النموذجية المنشودة.

في ما يلي من نقاط نقدّم شرحا مختصرا للعناوين المذكورة أعلاه:

أ ـ الرازقية الإلهية

"الرزق"۱ في لغة القرآن والحديث هو كلّ ما يكون ضروريّا لتأمين الحياة المادّية والمعنوية للموجودات الحيّة. أمّا "الرازقية الإلهية" فهي بمعنى أنّ اللّه‏ سبحانه قد أمَّن "رزق" جميع الموجودات الحيّة في نظام الخليقة والتكوين، ويسّر لها سبيل بلوغ تلك الأرزاق، كما زوّدها بالأدوات التي تستطيع من خلالها استيفاء رزقها.

في الرؤية الكونية التوحيدية ما من ظاهرة ـ تتحرّك بإرادة الإنسان أو لا دور لإرادة الإنسان فيها ـ إلاّ وتنتهي إلى علّة العلل وتنتسب إلى اللّه‏ سبحانه مسبّب الأسباب، و"الرزق" أحد هذه الظواهر، ومن ثمّ فهو لا يشذّ عن هذه القاعدة. على هذا لا ينفي مبدأ "رازقية" اللّه‏ سبحانه الإرادةَ الإنسانية وحرّية الاختيار

1.. يقول عبد الرحمان بن خلدون في تعريف الرزق: «ثم إنّ ذلك الحاصل [من سعي الإنسان وكسبه] أو المقتنى، إن عادت منفعته على العبد وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته سُمّي ذلك رزقا... وإن لم ينتفع به في شيء من مصالحه ولا حاجاته فلا يسمى بالنسبة إلى المالك رزقا، والمتملّك منه حينئذٍ بسعي العبد وقدرته يسمّى كسبا» مقدّمة ابن خلدون، الفصل الخامس من الكتاب الأول/ الفصل الأول: في المعاش ووجوبه، ص ۳۸۱.
بيد أنّ تتبّع مواضع استعمال هذه المفردة في القرآن والحديث والتأمّل في ذلك، يشير إلى أنّ الرزق يُطلق على مطلق الأشياء الضرورية لإدامة الحياة المادية والمعنوية للموجودات الحية.

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5880
صفحه از 688
پرینت  ارسال به