به الإنسان الذي يبذل الجهد على كلّ حال، بحيث لا يبتلى بمرض الحرص، ولا يدفعه تأمين المعاش إلى الاعتداء على حقوق الآخرين واجتراح ما لا يليق.
هذه هي الحكمة التي تلوح للنظر، لا أن يكفّ الإنسان عن العمل ويعزف عن الطلب بدعوى الإيمان بالتقدير وتقسيم الأرزاق.
۳. التقوى والتنمية
نقرأ في النصوص ذات الصلة بالمبادئ الاعتقادية للتنمية، أنّ اللّه سبحانه ضَمن لثلاثة أصناف رزقهم من غير احتساب؛ بحيث تأتيهم أرزاقهم خارج نطاق الحسابات العاديّة، هؤلاء هم: المتّقون، وأهل التوكّل، والمتفقّهون في الدين. يمكن القول بإزاء هذه النصوص: إنّ ذكر الطائفتين الثانية والثالثة جاء من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ من حيث إنّ التوكّل والتفقّه في الدين هما من اللوازم البارزة للتقوى؛ إذ لابدّ من تحقّق التقوى بمفهومها الكامل من التوكّل والتفقّه معا.
سؤالان هامّان يُثاران إزاء هذه الرؤية؛ الأوّل: ما المقصود من أنّ التقوى هي سبب للرزق من غير المسارات الطبيعية؟ ثمّ هل التقوى ـ كسبب للرزق ـ هي في طول العمل وبذل الجهد، أم هي في عرضهما؟
لا ريب أنّ الإقرار بدور تؤدّيه التقوى في التنمية الاقتصادية يأتي في طول العمل وامتداده لا في عرضه. ما يمكن أن يثبت هذا المدّعى بوضوح هو:
أوّلاً: السيرة القطعية لأنبياء اللّه ورسله الكرام وأئمّة الدين، وهم الذروة في أهل التقوى والقمّة الشاهقة لأهل التوكّل؛ فهذه سيرتهم تشهد بنصاعةٍ على أنّ مسار التقوى والتوكّل في حياتهم إنّما هو في امتداد العمل، لا في عرضه.۱