253
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

فَلَيتَ شِعري! هَل يَحيقُ فيكُم۱ ما قَد شَرَحتُ لَكُم مُنذُ اليَومِ أم أزيدُكُم؟!
أما عَلِمتُم أنَّ اللّهَ عز و جل قَد فَرَضَ عَلَى المُؤمِنينَ في أوَّلِ الأَمرِ أن يُقاتِلَ الرَّجُلُ مِنهُم عَشَرَةً مِنَ المُشرِكينَ لَيسَ لَهُ أن يُوَلِّيَ وَجهَهُ عَنهُم، ومَن وَلاّهُم يَومَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَد تَبَوَّأَ مَقعَدَهُ مِنَ النّارِ، ثُمَّ حَوَّلَهُم عَن حالِهِم رَحمَةً مِنهُ لَهُم، فَصارَ الرَّجُلُ مِنهُم عَلَيهِ أن يُقاتِلَ رَجُلَينِ مِنَ المُشرِكينَ تَخفيفا مِنَ اللّهِ عز و جل لِلمُؤمِنينَ، فَنَسَخَ الرَّجُلانِ العَشَرَةَ؟!
وأخبِروني أيضا عَنِ القُضاةِ أ جَوَرَةٌ۲ هُم حَيثُ يَقضونَ عَلَى الرَّجُلِ مِنكُم نَفَقَةَ امرَأَتِهِ إذا قالَ: إنّي زاهِدٌ وإنّي لا شَيءَ لي؟! فَإِن قُلتُم: جَوَرَةٌ ظَلَّمَكُم أهلُ الإِسلامِ، وإن قُلتُم: بَل عُدولٌ خَصَمتُم أنفُسَكُم، وحَيثُ تَرُدّونَ صَدَقَةَ مَن تَصَدَّقَ عَلَى المَساكينِ عِندَ المَوتِ بِأَكثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.
أخبِروني لَو كانَ النّاسُ كُلُّهُم كَالَّذينَ تُريدونَ زُهّاداً لا حاجَةَ لَهُم في مَتاعِ غَيرِهِم، فَعَلى مَن كانَ يُتَصَدَّقُ بِكَفّاراتِ الأَيمانِ وَالنُّذورِ وَالصَّدَقاتِ مِن فَرضِ الزَّكاةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالتَّمرِ وَالزَّبيبِ وسائِرِ ما وَجَبَ فيهِ الزَّكاةُ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وغَيرِ ذلِكَ؟! إذا كانَ الأَمرُ كَما تَقولونَ: ـ لا يَنبَغي لِأَحَدٍ أن يَحبِسَ شَيئا مِن عَرَضِ الدُّنيا إلاّ قَدَّمَهُ وإن كانَ بِهِ خَصاصَةٌ ـ فَبِئسَما ذَهَبتُم إلَيهِ وحَمَلتُمُ النّاسَ عَلَيهِ! مِنَ الجَهلِ بِكِتابِ

1.. أي هل يؤثِّر فيكم . قال ابن منظور : «حاقَ فيه السيفُ كَحاكَ ـ قال : ـ وحاكَ فيه السيفُ : أثَّرَ» لسان العرب : ۱۰ / ۷۱ و ۴۱۹ .

2.. جَوَرَة : جمعُ جائِر لسان العرب : ۴ / ۱۵۳ .


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
252

جَعَلَ اللّهُ عز و جل لَهُ الثُّلُثَ عِندَ مَوتِهِ، ولَو عَلِمَ أنَّ الثُّلُثَ خَيرٌ لَهُ أوصى بِهِ.
ثُمَّ مَن قَد عَلِمتُم بَعدَهُ في فَضلِهِ وزُهدِهِ؛ سَلمانُ وأبو ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللّهُ عَنهُما ـ فَأَمّا سَلمانُ فَكانَ إذا أخَذَ عَطاءَهُ رَفَعَ مِنهُ قوتَهُ لِسَنَتِهِ حَتّى يَحضُرَ عَطاؤُهُ مِن قابِلٍ، فَقيلَ لَهُ: يا أبا عَبدِ اللّهِ، أنتَ في زُهدِكَ تَصنَعُ هذا وأنتَ لا تَدري لَعَلَّكَ تَموتُ اليَومَ أو غَدا! فَكانَ جَوابُهُ أن قالَ: ما لَكُم لا تَرجونَ لِيَ البَقاءَ كَما خِفتُم عَلَيَّ الفَناءَ؟! أما عَلِمتُم ـ يا جَهَلَةُ! ـ أنَّ النَّفسَ قَد تَلتاثُ عَلى صاحِبِها إذا لَم يَكُن لَها مِنَ العَيشِ ما يُعتَمَدُ عَلَيهِ فَإِذا هِيَ أحرَزَت مَعيشَتَهَا اطمَأَنَّت؟! وأمّا أبو ذَرٍّ فَكانَت لَهُ نُوَيقاتٌ وشُوَيهاتٌ يَحلُبُها، ويَذبَحُ مِنها إذَا اشتَهى أهلُهُ اللَّحمَ أو نَزَلَ بِهِ ضَيفٌ أو رَأى بِأَهلِ الماءِ ـ الَّذينَ هُم مَعَهُ ـ خَصاصَةً ؛ نَحَرَ لَهُمُ الجَزورَ أو مِنَ الشِّياهِ عَلى قَدرِ ما يَذهَبُ عَنهُم بِقَرَمِ۱ اللَّحمِ، فَيُقَسِّمُهُ بَينَهُم، ويَأخُذُ هُوَ كَنَصيبِ واحِدٍ مِنهُم لا يَتَفَضَّلُ عَلَيهِم. ومَن أزهَدُ مِن هؤُلاءِ وقَد قالَ فيهِم رَسولُ اللّهِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما قالَ؟! ولَم يَبلُغ مِن أمرِهِما أن صارا لا يَملِكانِ شَيئا البَتَّةَ ـ كَما تَأمُرونَ النَّاسَ بِإِلقاءِ أمتِعَتِهِم وشَيئِهِم ـ ويُؤثِرونَ بِهِ عَلى أنفُسِهِم وعِيالاتِهِم.
وَاعلَموا ـ أيُّهَا النَّفَرُ ـ أنّي سَمِعتُ أبي يَروي عَن آبائِهِ عليهم‏السلام: أنَّ رَسولَ اللّهِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قالَ يَوما: ما عَجِبتُ مِن شَيءٍ كَعَجَبي مِنَ المُؤمِنِ ؛ أنَّهُ إن قُرِضَ جَسَدُهُ في دارِ الدُّنيا بِالمَقاريضِ كانَ خَيرا لَهُ، وإن مَلَكَ ما بَينَ مَشارِقِ الأَرضِ ومَغارِبِها كانَ خَيرا لَهُ، وكُلُّ ما يَصنَعُ اللّهُ عز و جل بِهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ!

1.. القَرَم : شدّة شهوة اللحم النهاية : ۴ / ۴۹ .

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5982
صفحه از 688
پرینت  ارسال به