189
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

الواقعية على الأرض فعلاً إلاّ إذا هيّأت الدولة المناخ المناسب لعرض السلع بأثمانها الطبيعية.

من هذا المنطلق، أفتى عدد من الفقهاء بجواز التسعير للحاكم في حال إجحاف البائع.۱

حين نأخذ هذا التحليل بنظر الاعتبار، فعندئذٍ يمكن القول بأنّ الفتوى بعدم جواز التسعير ناظرة إلى التسعير في مقابل السعر الطبيعي. أمّا فتوى الجواز فناظرة إلى التسعير والإلزام بقيمة محدّدة في مقابل السعر غير الطبيعي، وبغية مواجهة العناصر الكاذبة الكامنة وراء رفع الأسعار على نحوٍ وهمي غير واقعي. على هذا الأساس، ليس ثمّ تهافت في فتاوى الفقهاء حول التسعير.

الرخص الخطير!

إنّ الرواية التي تحكي عدم رضا رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله واستنكاره لفعل الرجل الذي راح يبيع بسعر أرخص من سعر السوق بدافع غير إلهي، ثمّ إغضاءه عنه بعد أن كلّل فعله بإطار أخلاقي ووضعه في نطاق دافعٍ إلهي (صبرا واحتسابا بحسب لغة الحديث)؛ هذه الرواية وإن كانت تواجه مشكلة من حيث السند، إلاّ أنّ محتواها

1.. نُسب القول بجواز التسعير إلى المفيد في المقنعة ص ۹۶، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية،ص ۷۴۵)، والشهيد في الدروس (ص ۳۳۲)، ففي مفتاح الكرامة (ج۴، ص ۱۰۹): «وفي الوسيلة والمختلف والإيضاح والدروس واللمعة والمقتصر والتنقيح أنّه [أي الحاكم] يسعِّر عليه إن أجحف في الثمن؛ لما فيه من الإضرار المنفي» راجع: ولاية الفقيه: ج۲، ص ۶۶۰. وقال السيد الخميني: «وأمّا التسعير فلا يجوز ابتداءً، نعم لو أجحف اُلزم بالتنزّل، وإلاّ ألزمه الحاكم بسعر البلد أو بما يراه مصلحة. فما دلّ على عدم التسعير منصرف عن مثل ذلك، فإنّ عدم التسعير عليه قد ينتهي إلى بقاء الاحتكار، كما لو سعّر فرارا من البيع بقيمة لا يتمكّن أحد من الاشتراء بها، فلا إشكال في أنّ أمثال ذلك إلى الوالي، والأخبار لا تشمل مثله » (كتاب البيع، ج ۳ ، ص ۴۱۶).


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
188

على هذا يبدو أنّ الفقهاء الذين أفتوا بعدم جواز التسعير مطلقا كانوا ناظرين إلى هذا المعنى۱.

عدالة الأسعار في عهد الإمام أمير المؤمنين عليه‏السلام

بتأمّل في ما مضى، يتّضح أنّ ما عهد به الإمام أمير المؤمنين عليه‏السلام من ضرورة أن يكون البيع سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالبائع والمشتري ليس فقط لا يتنافى مع موقف النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في مناهضة التسعير، وإنّما أيضا يقع في سياق الموقف ذاته، لكن من زاوية مواجهة المؤثّرات التي تزيد في الأسعار دون ضابطة.

بتعبير أكثر وضوحا: إنّ ما عهد به الإمام أمير المؤمنين عليه‏السلام في كتابه إلى مالك الأشتر هو التأكيد على أن يكون البيع سمحا، وأن تكون الأسعار بموازين عدل، ومن ثمّ فهو لم يأمره بتخفيض الأسعار والتقليل من قِيَمها، ولا ريب أنّ انتظام الأسعار بموازين عدل لا يعني إلحاق الضرر بالمنتج أو بالبائع، وإنّما سيكون الأمر كما عبّر عنه الإمام في نصّ عهده؛ من أنّ الأسعار تنتظم في موازين عدل حين لا يجحف بالفريقين: البائع والمبتاع. وهذه الحقيقة لا تكتسب صيغتها

1.. أفتى جمع من الفقهاء بعدم جواز التسعير، فمنهم الشيخ الطوسي في النهايةص ۳۷۴، والمبسوط(ج۲، ص ۱۹۵)، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية، ص ۵۲۸)، والمحقّق في الشرائع (ج ۲، ص ۲۱)، والعلاّمة في القواعد (ج۱،ص ۱۳۲) والمختصر (ص ۱۲۰)، بل نسب في مفتاح الكرامة (ج۴، ص ۱۰۹) هذا القول إلى الإجماع، وقال: «إجماعا وأخبارا متواترة كما في السرائر، وبلا خلاف كما في المبسوط، وعندنا كما في التذكرة». وقال السيد الخوئي بعد أن أفتى بمنع التسعير: «نعم، لو أجحف في القيمة بحيث كان ازديادها نحوا من الاحتكار يمنع الحاكم عن ذلك بحيث يبيع المالك بقيمة السوق أو أكثر منه بمقدار لا يمنع الناس عن الشراء، بأن تكون قيمة كل حقّةٍ من الحنطة مائة فلس ويبيع المحتكر بدينارين، فإنّه أيضا احتكار، كما لايخفى» (مصباح الفقاهة، ج۵، ص ۵۰۰).

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5788
صفحه از 688
پرینت  ارسال به