113
التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة

يمكن التعبير عن هذه الملاحظة بالصيغة التالية: إنّ ما يكون موضوعا للتقويم في اللّحاظ الأوّل هما الثروة والعلم، وما يكون موضوعا له في اللحاظ الثاني هما الثريّ والعالِم.
عندما يُطَلّ على الثروة من زاوية وجودية ويتمّ تقويمها من هذا المنطلق، فهي بلا ريب تعدّ قيمة في مقابل الفقر ونعمة، تماما كالعلم في مقابل الجهل. أمّا عندما يتمّ تقويم الثروة انطلاقا من طبيعة علاقتها بالإنسان الثريّ فستكتسب المعادلة صيغا اُخرى؛ فكما لا يعدّ العلم نافعا لكلّ عالم ولا الجهل ضارّا بكلّ جاهل۱، فكذلك تكون الثروة؛ فليس كلّ فقير منتفعاً بالثروة كما ليس كلّ فقير متضرّرا من الفقر، بل الأمر هو ما عبّر عنه الإمام أمير المؤمنين في قوله عليه‏السلام: «رُبّ غنىً أورث الفقر الباقي»،۲ و «رُبّ فقرٍ عاد بالغنى الباقي»،۳ و«كم من منقوص رابح ومزيد خاسر!».۴
تأسيسا على هذه الحالة، عندما تقوّم الثروة انطلاقا من طبيعة صلتها بالثريّ وينظر إلى الفقر من خلال طبيعة صلته بالفقير، لا نستطيع أن نجزم بأنّ الثروة تعدّ قيمةً بالمطلق، تماما كما لا نستطيع أن نجزم بأنّ الفقر يعدّ حالة منافية للقيمة بالمطلق. بل يكون الأجدى ممارسة التقويم من خلال النتائج، فإذا ما استفاد الثريّ من الثروة على ما يرام فستمثّل الثروة قيمة، وإذا ما أساء فستتحوّل إلى الضدّ تماما. وهكذا بالنسبة إلى الفقر، فإذا ما جرّ الفقير إلى الذلّ والدمار فهو

1.. تماما كما روي عن الإمام أمير المؤمنين قوله عليه‏السلام: «رُبّ جاهل نجاته جهله». انظر: كتاب "العقل والجهل" ص ۲۲۱ "ما مدح من الجهل" وكتاب "العلم والحكمة" ص ۲۷۰ "السؤال عمّا قد يضرّ جوابه".

2.. غرر الحكم: ۵۳۲۸ .

3.. غرر الحكم: ۵۳۲۷ .

4.. غرر الحكم: ۶۹۶۰ .


التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
112

روايات مدح الفقر لضعف سندها، واستند من ثمّ إلى تصحيح النصوص السابقة.۱

لكن يبدو أنّ توزيع النصوص الإسلامية في هذا القسم قد استقرّ في صيغة بحيث يمكن للباحث أن يدرك بسهولة رؤية الإسلام تجاه التنمية الاقتصادية من خلال تأمّل تلك الصيغة، ومن ثمّ يكون بمقدوره أن يستوعب مدلول روايات مدح الفقر، ويعرف المراد منها على فرض صحّة السند.

من أجل أن تكتسب الصورة وضوحا أكبر سيكون مفيدا تأمُّل النقاط التالية:

۱. ملاحظة الآيات والأحاديث التي ضمّتها الفصول الخمسة الاُولى حول أهمّية التنمية الاقتصادية والأضرار الناشئة عن الفقر، وما ستحويه أجزاء الكتاب الاُخرى من حديث عن اُصول التنمية ومبادئها وعن عقباتها وآفاتها؛ ملاحظة ذلك كلّه لا يدع مجالاً للريبة بأنّ الإسلام دين لا يميل إلى الفقر ولا ينحاز إليه، بل تبرز التنمية الاقتصادية في هذا الدين ويُحتفى بها بصفتها هدفا مهمّا.
بتعبير آخر: إنّ انحياز الإسلام ضدّ الفقر ومكافحته له، وما يحفل به هذا الدين من تخطيط للتنمية الاقتصادية، هما من محكمات الإسلام. على ضوء ذلك، إذا ما لاحت روايات تدعو الناس إلى الفقر بحسب الظاهر، ثمّ ثبتت نسبتها إلى أئمّة الدين على نحوٍ قطعي، فلابدّ أن يكون المقصود منها غير ظاهرها.

۲. الغنى والفقر هما كالعلم والجهل تماما؛ يمكن تقويمهما انطلاقا من رؤيتين: ففي إطار الرؤية الاُولى تقوّم الثروة على نحوٍ مطلق ؛ كالعلم بوصفه ظاهرة في نظام الخلقة والتكوين ويكون في خدمة الإنسان ومع حوائجه، في مقابل الفقر الذي يُقوّم كالجهل بإزاء متطلّبات الإنسان. أمّا في الرؤية الثانية فينظر إلى الثروة في نطاق الدور الذي تنهض به على صعيد الحياة.

1.. انظر: المحجّة البيضاء: ج۷، ص ۳۱۹ ـ ۳۳۰ و بحار الأنوار : ج ۷۲ ، ص ۶ ـ ۷ ، ۳۴ و معراج السعادة :ص ۹۱ ، ۲۹۵ ، ۲۹۶ و مسلكنا للمشكيني : ص ۱۸۲ و تفسير نمونة : ج ۱۶، ص ۱۷۴ .

  • نام منبع :
    التّنمیة الإقتصادیّة في الکتاب و السّنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1380
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6452
صفحه از 688
پرینت  ارسال به