روايات مدح الفقر لضعف سندها، واستند من ثمّ إلى تصحيح النصوص السابقة.۱
لكن يبدو أنّ توزيع النصوص الإسلامية في هذا القسم قد استقرّ في صيغة بحيث يمكن للباحث أن يدرك بسهولة رؤية الإسلام تجاه التنمية الاقتصادية من خلال تأمّل تلك الصيغة، ومن ثمّ يكون بمقدوره أن يستوعب مدلول روايات مدح الفقر، ويعرف المراد منها على فرض صحّة السند.
من أجل أن تكتسب الصورة وضوحا أكبر سيكون مفيدا تأمُّل النقاط التالية:
۱. ملاحظة الآيات والأحاديث التي ضمّتها الفصول الخمسة الاُولى حول أهمّية التنمية الاقتصادية والأضرار الناشئة عن الفقر، وما ستحويه أجزاء الكتاب الاُخرى من حديث عن اُصول التنمية ومبادئها وعن عقباتها وآفاتها؛ ملاحظة ذلك كلّه لا يدع مجالاً للريبة بأنّ الإسلام دين لا يميل إلى الفقر ولا ينحاز إليه، بل تبرز التنمية الاقتصادية في هذا الدين ويُحتفى بها بصفتها هدفا مهمّا.
بتعبير آخر: إنّ انحياز الإسلام ضدّ الفقر ومكافحته له، وما يحفل به هذا الدين من تخطيط للتنمية الاقتصادية، هما من محكمات الإسلام. على ضوء ذلك، إذا ما لاحت روايات تدعو الناس إلى الفقر بحسب الظاهر، ثمّ ثبتت نسبتها إلى أئمّة الدين على نحوٍ قطعي، فلابدّ أن يكون المقصود منها غير ظاهرها.
۲. الغنى والفقر هما كالعلم والجهل تماما؛ يمكن تقويمهما انطلاقا من رؤيتين: ففي إطار الرؤية الاُولى تقوّم الثروة على نحوٍ مطلق ؛ كالعلم بوصفه ظاهرة في نظام الخلقة والتكوين ويكون في خدمة الإنسان ومع حوائجه، في مقابل الفقر الذي يُقوّم كالجهل بإزاء متطلّبات الإنسان. أمّا في الرؤية الثانية فينظر إلى الثروة في نطاق الدور الذي تنهض به على صعيد الحياة.