213
التبليغ في الكتاب و السنّة

فذهب معها موسى عليه‏السلام إلى دارهم، وعرف أنّ البنتين اللّتين كانتا هناك هما ابنتا النبيّ شعيب عليه‏السلام، وصادف دخول موسى دار شعيب وقت العشاء، وكان الطعام معدّا، فدعا شعيب الشابَّ القادم إلى الطعام قائلاً: «يا شابُّ ! اِجلِس فَتَعَشَّ». إلاّ أنّ موسى ظلّ واقفا ولم يجلس إلى المائدة، وقال ردّا على دعوة شعيب: «أعوذُ بِاللّهِ !».

تعجّب شعيب من ذلك الموقف وقال: «ولِمَ ذلِكَ ؟ ألَستَ بِجائِعٍ ؟ !». فَقالَ موسى عليه‏السلام: «بَلى، ولكِن أخافُ أن يَكونَ هذا عِوَضا لِما سَقيتُ لَهُما ؛ وإنّا أهلُ‏بَيتٍ لا نَبيعُ شَيئا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمِل‏ءِ الأَرضِ ذَهَبا !».

فقال له شعيب: «لا وَاللّهِ يا شابُّ، ولكِنَّها عادَتي وعادَةُ آبائي ؛ نُقرِي الضَّيفَ ونُطعِمُ الطَّعامَ». فجلس موسى يأكل.

ج. سبل تأمين الحاجات الاقتصاديّة للمبلّغ

إذا كان أخذ الأجر على التبليغ مذموما في الإسلام على كلّ الأحوال، فلابدّ أن يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: عن أيّ طريق يمكن تأمين الحاجات المعاشيّة للمبلّغ ؟

۱. الكسب إلى جانب التبليغ

قبل حوالي نصف قرن مضى، كان هناك جماعة من أدعياء الثقافة والوعي تتصوّر أنّ التبليغ ليس عملاً أساسا، ويجب على المبلّغ أن يمارس عملاً آخر إلى جانب تبليغ الدين وإشاعة القيم الدينيّة ودعوة الناس إلى الصلاح. فكانوا يقولون: إنّ علماء الدين إذا كانوا يمارسون إلى جانب التبليغ عملاً آخر لكسب الرزق بحيث يستغنون عن الحاجة إلى الناس، يمكنهم تقديم الإسلام إلى الناس


التبليغ في الكتاب و السنّة
212

مقابل أيّ عمل اُخروي آخر كانوا يؤدّونه للّه‏، حتّى في أشدّ الظروف المعيشيّة قسوةً. وقد رويت في هذا المجال قصّة شائقة جدّاً عن النبيّ موسى عليه‏السلام، نوردها في ما يأتي.

قصّة تعكس إخلاص موسى عليه‏السلام

قبل أن يُبعث موسى عليه‏السلام نبيّاً، فرَّ من الفراعنة، وبعد مصاعب جمّة وصل إلى «مدين»، وهي مدينة النبيّ شعيب عليه‏السلام. وكان على مقربة من تلك المدينة بئر اجتمع عنده الرعاة ليسقوا أغنامهم من الماء. وكان بجانب هؤلاء الرعاة بنتان جاءتا تستسقيان الماء لأغنامهما، إلاّ أنّ شدّة الزحام حال دون تقرّبهما من البئر والاستسقاء منه. وعندما شاهد موسى عليه‏السلام ذلك شعر أنّ البنتين بحاجة إلى العون، فبادر إلى مساعدتهما وسقى أغنامهما، ثمّ غادرت البنتان المكان برفقة الأغنام.

وكان موسى آنذاك يتضوّر من شدّة الجوع، فرفع يديه بالدعاء وقال:

«رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».۱

وفي هذا الخصوص يقول الإمام عليّ عليه‏السلام:

وَاللّهِ ما سَأَلَهُ إلاّ خُبزا يأكُلُهُ !....۲

في تلك الأثناء رجعت إليه إحدى البنتين وقالت له:

«... إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا...».۳

1.. القصص : ۲۴.

2.. نهج البلاغة : الخطبة ۱۶۰ ، بحار الأنوار : ۱۳ / ۵۰ / ۲۰ .

3.. القصص : ۲۵ .

  • نام منبع :
    التبليغ في الكتاب و السنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2149
صفحه از 288
پرینت  ارسال به