211
التبليغ في الكتاب و السنّة

ب. أخذ الأجر على التبليغ من دون طلبه

إنّ الانعكاسات السلبيّة ـ التي سبقت الإشارة إليها ـ تظهر في الوقت الذي يتصرّف المبلّغ تصرّفا يعاكس تماما ما كان يتصرّفه الأنبياء ؛ وذلك أنّ الأنبياء كانوا يقولون: إنّنا لا نريد أجراً على التبليغ، أمّا هو فيقول: اُريد أجرا عليه، ويتعامل بدين اللّه‏ كسلعة. لكن في صورة ما إذا لم يطلب المبلّغ أجراً وبادر الناس إلى تقديم الأجر له من تلقاء أنفسهم لأجل تأمين شؤونه المعاشيّة، فلا مانع عندئذٍ من قبوله. وقد روي في هذا المجال عن الإمام الصادق عليه‏السلام أنّه قال:

«المُعَلِّمُ لا يُعَلِّمُ بِالأَجرِ، وَيَقبَلُ الهَدِيَّةَ إذا اُهدِيَ إلَيهِ».۱

وروى حمزة بن حمران أيضاً، قال: سمعت الإمام الصادق عليه‏السلام يقول:

«مَنِ استَأكَلَ بِعِلمِهِ افتَقَرَ».

فَقُلتُ لَهُ: جُعِلتُ فِداكَ ! إنَّ في شيعَتِكَ ومَواليكَ قَوماً يَتَحَمَّلونَ عُلومَكُم ويَبُثّونَها في شيعَتِكُم، فَلا يَعدَمونَ عَلى ذلِكَ مِنهُمُ البِرَّ والصِّلَةَ وَالإِكرامَ.

فقال:

«لَيسَ اُولئِكَ بِمُستَأكِلينَ».۲

الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا المجال هي أنّ أخذ الأجر على التبليغ من غير طلبه وإن لم يكن فيه بأس، ولايتعارض مع بعض مراتب الإخلاص، بيد أنّ تركه أولى ؛ إذ أنّ الأنبياء والأولياء الكمّل كانوا يتجنّبون استلام أي نوع من الأجر، ولم يكونوا يقبلون أخذ أيّ أجر، ليس في مقابل التبليغ فحسب، بل في

1.. التهذيب : ۶ / ۳۶۵ / ۱۰۴۷ .

2.. راجع : ص ۳۸ ح ۴۴ .


التبليغ في الكتاب و السنّة
210

۲. انخفاض تأثير التبليغ

عندما يتزعزع ركن الإخلاص يتناقص تلقائيّاً تأثير التبليغ في حياة الآخرين، حتّى يصل أحياناً إلى حدّ الصفر، بل قد تنعكس عنه أحياناً نتائج سلبيّة ؛ وذلك لأنّ الناس يحقّ لهم عندئذٍ النظر بعين التهمة إلى كلّ من يتّخذ دين اللّه‏ كوسيلة لضمان حياته المادّيّة، وألاّ يعتبروه ناصحاً مخلصاً لهم، كما قال عيسى عليه‏السلام في هذا المعنى:

«الدّينارُ داءُ الدّينِ، وَالعالِمُ طَبيبُ الدّينِ ؛ فَإِذا رَأَيتُمُ الطَّبيبَ يَجُرُّ الدّاءَ إلى نَفسِهِ فَاتَّهِموهُ، وَاعلَموا أنَّهُ غَيرُ ناصِحٍ غَيرَهُ».۱

۳. تحريف القيم الدينيّة

إنّ أجسم الأضرار التي تنجم عن تبليغ الدين لقاء الأجر هو تحريف القيم الدينيّة. فعندما ينزَّل التبليغ على شكل سلعة، يميل المبلّغ إلى أخذ رغبة المخاطب بنظر الاعتبار بدلاً من النظر إلى حاجته. ومن هنا يجد نفسه مضطرّا إلى عرض سلعته وفقاً لرغبة المخاطب، وهكذا فقد يرى من الضرورة أحياناً تحريف القيم الدينيّة في سبيل نيل أغراضه الدنيويّة.

ويعزو القرآن الكريم تحريفَ الكتب السماويّة السابقة إلى هذه الظاهرة الخطيرة ؛ وذلك لأنّ جماعة من المبلّغين وقادة الأديان حرّفوا الحقائق الدينيّة نزولاً عند رغبة أصحاب السلطة والمال لقاء ثمن بخسٍ.۲

1.. الخصال : ۱۱۳ / ۹۱ ، روضة الواعظين : ۴۶۸ ، بحار الأنوار : ۲ / ۱۰۷ / ۵ .

2.. راجع : البقرة : ۴۱ .

  • نام منبع :
    التبليغ في الكتاب و السنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2236
صفحه از 288
پرینت  ارسال به