107
التبليغ في الكتاب و السنّة

المجموعة الثالثة: هم الذين وصل بهم التلوّث المكتسب إلى مرحلة خطيرة وغير قابلة للعلاج. والفرد في هذه المجموعة يُعتبر في مدرسة الأنبياء «ميّت الأحياء»، ويوصف بالميّت روحيّاً وفكريّاً ؛ وذلك لأنّ صدأ الرذائل قد رانَ على أذهانهم ونفوسهم بحيث لا يستطيعون قبول الحقائق المفيدة والبنّاءة، ومن هنا فإنّ التبليغ لا يكاد يجدي فيهم نفعاً. وهذا ما جعل القرآن يعكس هذا المعنى بقوله:

«إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ».۱

«إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ».

«وَ مَآ أَنتَ بِهَدِى الْعُمْىِ عَن ضَلَلَتِهِمْ».۲

وهكذا، فإنّ المصابين بموت الروح بسبب كثرة الذنوب لا يمكنهم الاستفادة من عنصر التبليغ.

المسألة الجديرة بالتأمّل في هذا المجال ؛ هي أنّ الإنسان المصاب بموت الروح والفكر على أثر اقتراف الرذائل، يدرك الحقيقة إلاّ أنّه لا يتقبّلها. ومثل هذا الشخص يصفه القرآن فيقول:

«أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُو هَوَلهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِى وَ قَلْبِهِى وَ جَعَلَ عَلَى بَصَرِهِى غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنم بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ».۳

فحينما تستحوذ النزوات على الإنسان وتصبح على شكل صنم يعبده نتيجة

1.. الأنعام : ۳۶ .

2.. النمل : ۸۰ و ۸۱ .

3.. الجاثية : ۲۳ .


التبليغ في الكتاب و السنّة
106

هذا النمط من فنّ التبليغ بقوله:

«طَبيبٌ يُداوِي النّاسَ بِطِبِّهِ، قَد أحكَمَ مَراهِمَهُ، وأحمى مَواسِمَهُ، يَضَعُ ذلِكَ حَيثُ الحاجَةُ إلَيهِ مِن قُلوبٍ عُميٍ، وآذانٍ صُمٍّ، وألسِنَةٍ بُكمٍ، مُتَتَبِّعٌ بِدَوائِهِ مَواضِعَ الغَفلَةِ ومَواطِنَ الحَيرَةِ».۱

وللشهيد مرتضى مطهّري ـ رضوان اللّه‏ عليه ـ توضيح شائق حول هذا الكلام، في ما يلي نصّه:

«كانت لدى الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أدوات ووسائل ؛ فكان في بعض المواضع يستخدم القوّة والميسم، ويستخدم المرهم في موضع آخر، وكان في بعض المواقف يتّبع اُسلوب الشدّة والعنف، وفي مواضع اُخرى اُسلوب اللِّين والمرونة، إلاّ أنّه كان يجيد معرفة كلّ موضع، فكان يستخدم هذه الأساليب في كلّ موطن لغرض توعية الناس وإيقاظهم ؛ فكان يضرب بالسيف في تلك المواطن التي يوقظ فيها الناس، وليس في ما يفضي إلى سباتهم، وكان يستخدم اُسلوب المداراة الأخلاقيّة في ما يكون سبباً لتوعية الناس، وكان يستخدم السيف حينما يؤدّي إلى تبصير القلوب العمياء، ويكون سبباً ينتهي بالآذان الصمّ إلى السماع، وإلى شفاء الأعين العمي، وإلى إنطاق الألسن البكم. أي إنّ جميع الأساليب التي كان يستخدمها الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كانت من أجل إيقاظ الناس».۲

1.. راجع : ص ۵۲ ح ۸۱ .

2.. تبليغ ومبلّغ در آثار شهيد مطهّري بالفارسيّة : ۱۸۶ .

  • نام منبع :
    التبليغ في الكتاب و السنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2327
صفحه از 288
پرینت  ارسال به