105
التبليغ في الكتاب و السنّة

القبيحة، وخاصّة الظلم. فهؤلاء لديهم تقوى عقليّة، ويتّصفون بقابليّة مناسبة على قبول التبليغ المفيد والبنّاء. وقد وصفت الأحاديث الشريفة كلّ واحد من أفراد هذه المجموعة من الناس ب «العاقل» و «المتعلّم على سبيل النجاة».

وهذه المجموعة هي المخاطب الأصلي للإعلام الإسلامي، ولجميع جهود الأنبياء. وكلمة «المتّقين» الواردة في الآية الثانية من سورة البقرة «ذَ لِكَ الْكِتَبُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ» تشير إلى هذه المجموعة. والشابّ بما أنّه في مقتبل حياته ولم تتدنّس فطرته الإنسانيّة، فهو أكثر تقبّلاً للإعلام البنّاء الهادف ؛ ولهذا السبب يشكّل الشباب الصفّ المتقدّم بين مخاطَبي الأنبياء. وقد أكّدت الأحاديث الشريفة على المبلّغين أن يعيروا أهمّية خاصّة للشباب.۱

المجموعة الثانية: هم الذين دنّسوا فطرتهم الإنسانيّة بالرذائل ولا يتّصفون بالتقوى العقليّة، إلاّ أنّ تلوّثهم بدنس المعاصي لم يصل إلى مرحلة خطيرة يستعصي عندها العلاج.

وهذه المجموعة من المخاطبين مصابة ـ من وجهة نظر الأنبياء ـ بمرض حُجُب المعرفة ؛ بيد أنّ مرضهم هذا قابل للمعالجة والشفاء. وهذه الحالة توجب على المبلّغ ـ انطلاقا من المسؤوليّة الملقاة على عاتقه من قبل اللّه‏ تعالى ـ أن يكون كالطبيب الحاذق الذي يتجوّل بحثا عن مرضاه ؛ ليقتلع من قلوبهم وأذهانهم موانع المعرفة من خلال خطّة متقَنة يستخدم فيها اُسلوب اللِّين تارة واُسلوب الشدّة تارة اُخرى ؛ لينقلهم بذلك من مخاطبي المجموعة الثانية إلى حيّز مخاطبي المجموعة الاُولى. وقد وصف الإمام علي عليه‏السلام الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأنّه كان يتقن

1.. راجع : ص ۱۰۲ ح ۱۸۵ .


التبليغ في الكتاب و السنّة
104

مدى تأثّر المخاطب

إحدى الملاحظات المهمّة التي يؤكّد عليها القرآن والحديث الشريف في ما يخصّ معرفة المخاطب هي التفاوت القائم بين الناس في القابليّة والاستيعاب الطبيعي والاكتسابي، ومدى استجابتهم للتبليغ المفيد والبنّاء. وإذا أخذنا هذا التفاوت بنظر الاعتبار، نفهم أنّه ليس كلّ كلام يفيد أيّ شخص ؛ فقد يكون ثمّة نمط من التبليغ مفيدا لفرد أو جماعة ما ؛ ولكنّه غير مفيد لفرد آخر أو جماعة اُخرى، بل ربّما كان مضرّا لهم. ومن هنا كان الأنبياء يؤمَرون بأخذ المقدرة الفكريّة والنفسيّة للناس بنظر الاعتبار.۱

الاختلاف في القابليّات الطبيعيّة

يختلف الناس ـ من وجهة نظر الأحاديث الشريفة۲ ـ في قدراتهم الذاتيّة كاختلاف معادن الأرض ؛ فبعضهم كالذهب يتّصف بقدرة عالية ؛ وبعضهم الآخر كالفضّة.. وهكذا. وكما أنّ أنواع المعادن مفيدة للناس إلاّ أنّ استثمارها يتطلّب معرفة وتخطيطا، فكذلك أنواع القابليّات الفطريّة للناس مفيدة لإدارة المجتمع الإنساني، إلاّ أنّ كيفيّة استثمارها تستلزم معرفة صحيحة وبرمجة دقيقة لها.

الاختلاف في القابليّات الاكتسابيّة

تختلف قابليّات الناس الاكتسابيّة كاختلاف قابليّاتهم الذاتيّة. وقد قسّمت النصوص الإسلاميّة، بشكل عامّ، الناس من حيث مدى تأثّرهم بالتبليغ البنّاء إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الاُولى: هم الذين لم يدنّسوا فطرتهم الإنسانيّة النقيّة بالأعمال

1.. راجع : ص ۱۶۶ مراعاة طاقة المخاطب .

2.. راجع : ح ۱۸۰ و ۱۸۴ .

  • نام منبع :
    التبليغ في الكتاب و السنّة
    سایر پدیدآورندگان :
    السید حمید الحسینی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2334
صفحه از 288
پرینت  ارسال به