455
حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی

لِرَسولِهِ ، لا تَقدِرونَ عَلى قَتلِهِ ولا مَنعِهِ مِن رسالته ، فَهذا أبيَنُ في قُدرَتِهِ وفي عَجزِكُم ، وسَوفَ يُظفِرُنِيَ اللّهُ بِكُم فَاُوسِعكُم قَتلاً وأسرا ، ثُمَّ يُظفِرُنِيَ اللّهُ بِبِلادِكُم ويَستَولي عَلَيهَا المُؤمِنونَ مِن دونِكُم ودونِ مَن يُوافِقُكُم عَلى دينِكُم .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : وأمّا قَولُكَ لي : «لَو كُنتَ نَبِيّا لَكانَ مَعَكَ مَلَكٌ يُصَدِّقُكَ ونُشاهِدُهُ ، بَل لَو أرادَ اللّهُ أن يَبعَثَ إلَينا نَبِيّا لَكانَ إنَّما يَبعَثُ مَلَكا لا بَشَرا مِثلَنا» . فَالمَلَكُ لاتُشاهِدُهُ حَواسُّكُم ، لِأَ نَّهُ مِن جِنسِ هذَا الهَواءِ لا عِيانَ مِنهُ ، ولَو شاهَدتُموهُ بِأَن يُزادَ في قُوى أبصارِكُم ـ لَقُلتُم : لَيسَ هذا مَلَكا بَل هذا بَشَرٌ ، لِأَ نَّهُ إنَّما كانَ يَظهَرُ لَكُم بِصورَةِ البَشَرِ الَّذي [ قَد ]ألِفتُموهُ لِتَفهَموا عَنهُ مَقالَتَهُ وتَعرِفوا خِطابَهُ ومُرادَهُ ، فَكَيفَ كُنتُم تَعلَمونَ صِدقَ المَلَكِ وأنَّ ما يَقولُهُ حَقٌّ ؟ بَل إنَّما بَعَثَ اللّهُ بَشرَا ، وأظهَرَ عَلى يَدِهِ المُعجِزاتِ الَّتي لَيسَت في طَبائِعِ البَشَرِ الَّذينَ قَد عَلِمتُم ضَمائِرَ قُلوبِهِم فَتَعلَمونَ بِعَجزِكُم عَمّا جاءَ بِهِ أنَّهُ مُعجِزَةٌ ، وأنَّ ذلِكَ شَهادَةٌ مِنَ اللّهِ تَعالى بِالصِّدقِ لَهُ ، ولَو ظَهَرَ لَكُم مَلَكٌ وظَهَرَ عَلى يَدِهِ ما يَعجُزُ عَنهُ البَشَرُ لَم يَكُن في ذلِكَ ما يَدُلُّكُم عَلى أنَّ ذلِكَ لَيسَ في طَبائِعِ سائِرِ أجناسِهِ مِنَ المَلائِكَةِ حَتّى يَصيرَ ذلِكَ مُعجِزا .
ألا تَرَونَ أنَّ الطُّيورَ الَّتي تَطيرُ لَيسَ ذلِكَ مِنها بِمُعجِزٍ ، لِأَنَّ لَها أجناسا يَقَعُ مِنها مِثلُ طَيَرانِها ، ولَو أنَّ آدَمِيّا طارَ كَطَيَرانِها كانَ ذلِكَ مُعجِزا ، فَإِنَّ اللّهَ عز و جل سَهَّلَ عَلَيكُمُ الأَمرَ ، وجَعَلَهُ بِحَيثُ تَقومُ عَلَيكُم حُجَّتُهُ ، وأنتُم تَقتَرِحونَ عَمَلَ الصَّعبِ الَّذي لا حُجَّةَ فيهِ .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : وأمّا قَولُكَ : «ما أنتَ إلّا رَجُلٌ مَسحورٌ» . فَكَيفَ أكونُ كَذلِكَ وقَد تَعلَمونَ أنّي في صِحَّةِ التَّمييزِ وَالعَقلِ فَوقَكُم ؟ فَهَل جَرَّبتُم عَلَيَ مِنذُ نَشَأتُ إلى أنِ استَكمَلتُ أربَعينَ سَنَةً خَزيَةً ، أو زَلَّةً ، أو كَذبَةً ، أو خِيانَةً ، أو خَطَأً مِنَ


حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
454

وصَحَّحتَهُم ؟ ولا لِلأَذِلّاءِ أن يَقولوا : لِمَ أذلَلتنا وأعزَزتَهُم ؟ ولا لِقِباحِ الصُّوَرِ أن يَقولوا : لِمَ قَبَّحتَنا وجَمَّلتَهُم ؟ بَل إن قالوا ذلِكَ كانوا عَلى رَبِّهِم رادّينَ ، ولَهُ في أحكامِهِ مُنازِعينَ ، وبِهِ كافِرينَ ، ولَكانَ جَوابُهُ لَهُم : [إنّي ]أنَا المَلِكُ الخافِضُ الرّافِعُ ، المُغنِي المُفقِرُ ، المُعِزُّ المُذِلُّ ، المُصَحِّحُ المُسقِمُ ، وأنتُمُ العَبيدُ لَيسَ لَكُم إلَا التَّسليمُ لي والاِنقيادُ لِحُكمي ، فَإِن سَلَّمتُم كُنتُم عِبادا مُؤمِنينَ ، وإن أبَيتُم كُنتُم بي كافِرينَ ، وبِعُقوباتي مِنَ الهالِكينَ .
ثُمَّ أنزَلَ اللّهُ عَلَيهِ : يامُحَمَّدُ « قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ » يَعني آكُلُ الطَّعامَ « يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـهُكُمْ إِلَـهٌ وَ حِدٌ » ۱ يَعني قُل لَهُم : أنَا فِي البَشَرِيَّةِ مِثلُكُم ، ولكِن رَبّي خَصَّني بِالنُّبُوَّةِ دونَكُم ، كَما يَخُصُّ بَعضَ البَشَرِ بِالغِنى وَالصِّحَّةِ وَالجَمالِ دونَ بَعضٍ مِنَ البَشَرِ ، فَلا تُنكِروا أن يَخُصَّني أيضا بِالنُّبُوَّةِ [دونَكُم] .
ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : وأمّا قَولُكَ : «[إنَّ ]هذا مَلِكَ الرّومِ ومَلِكَ الفُرسِ لا يَبعَثانِ رَسولاً إلّا كَثيرَ المالِ ، عَظيمَ الحالِ ، لَهُ قُصورٌ ودورٌ وفَساطيطُ وخِيامٌ وعَبيدٌ وخُدّامٌ ، ورَبُّ العالَمينَ فَوقَ هؤُلاءِ كُلِّهِم فَهُم عَبيدُهُ» . فَإِنَّ اللّهَ لَهُ التَّدبيرُ وَالحُكمُ ، لا يَفعَلُ عَلى ظَنِّكَ وحِسبانِكَ ، ولا بِاقتِراحِكَ ، بَل يَفعَلُ مايَشاءُ ، ويَحكُمُ ما يُريدُ ، وهُوَ مَحمودٌ .
يا عَبدَاللّهِ ، إنّما بَعَثَ اللّهُ نَبِيَّهُ لِيُعَلِّمَ النّاسَ دينَهُم ، ويَدعُوَهُم إلى رَبِّهِم ، ويَكُدُّ نَفسَهُ في ذلِكَ آناءَ اللَّيلِ وَالنَّهارِ ، فَلَو كانَ صاحِبَ قُصورٍ يَحتَجِبُ فيها وعَبيدٍ وخَدَمٍ يَستُرونَهُ عَنِ النّاسِ ، ألَيسَ كانَتِ الرِّسالَةُ تَضيعُ وَالاُمورُ تَتَباطَأُ ؟ أوَ ماتَرَى المُلوكَ إذَا احتَجَبوا كَيفَ يَجرِي الفَسادُ وَالقَبائِحُ مِن حَيثُ لايَعلَمونَ بِهِ ولا يَشعُرونَ ؟!
يا عَبدَاللّهِ ، إنَّما بَعَثَنِي اللّهُ ولا مالَ لي لِيُعَرِّفَكُم قُدرَتَهُ وقُوَّتَهُ ، وإنَّهُ هُوَ النّاصِرُ

1.الكهف : ۱۱۰ .

  • نام منبع :
    حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    لجنةٍ من المحققين
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    02/01/1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 8315
صفحه از 686
پرینت  ارسال به