443
حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی

فَجاءَهُ فَلَقِيَهُ فِي الهَواءِ ، فَقالَ : كَلِّفني ما بَدا لَكَ فَقَد بَعَثَنِي اللّهُ لِنُصرَتِكَ .
فَقالَ : بَل حَسبِيَ اللّهُ ونِعمَ الوَكيلُ ، إنّي لا أسأَلُ غَيرَهُ ، ولا حاجَةَ لي إلّا إلَيهِ ، فَسمّاهُ خَليلَهُ أي فَقيرَهُ ومُحتاجَهُ والمُنقَطِعَ إلَيهِ عَمَّن سِواهُ .
وإذا جُعِلَ مَعنى ذلِكَ مِنَ الخُلَّةِ [العالِم] ، وهُوَ أنَّهُ قَد تَخَلَّلَ مَعانِيَهُ ، ووَقَفَ عَلى أسرارٍ لَم يَقِف عَلَيها غَيرُهُ ، كانَ مَعناهُ العالِمَ بِهِ وبِاُمورِهِ ، ولا يوجِبُ ذلِكَ تَشبيهَ اللّهِ بِخَلقِهِ ، ألا تَرَونَ أنَّهُ إذا لَم يَنقَطِع إلَيهِ لَم يَكُن خَليلَهُ ؟ وإذا لَم يَعلَم بِأَسرارِهِ لَم يَكُن خَليلَهُ ؟ وأنَّ مَن يَلِدُهُ الرَّجُلُ وإن أهانَهُ وأقصاهُ لَم يَخرُج [بِهِ ]عَن أن يَكونَ وَلَدَهُ ، لِأَنَّ مَعنَى الوِلادَةِ قائِمٌ بِهِ ؟
ثُمَّ إن وَجَبَ ـ لِأَ نَّهُ قالَ لِاءِبراهيمَ خَليلي ـ أن تَقيسوا أنتُم فَتَقولوا : إنَّ عيسى ابنُهُ ، وَجَبَ أيضا كَذلِكَ أن تَقولوا لِموسى إنَّهُ ابنُهُ ، فَإِنَّ الَّذي مَعَهُ مِنَ المُعجِزاتِ لَم يَكُن بِدونِ ما كانَ مَعَ عيسى ، فَقولوا : إنَّ موسى أيضا ابنُهُ ، وأن يَجوزَ أن تَقولوا عَلى هذَا المَعنى : إنَّهُ شَيخُهُ وسَيِّدُهُ وعَمُّهُ ورَئيسُهُ وأميرُهُ كَما قَد ذَكَرتُهُ لِليَهودِ .
فَقالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ : وفِي الكُتُبِ المُنزَلَةِ أنَّ عيسى قالَ : «أذهَبُ إلى أبي» .
فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : فَإِن كُنتُم بِذلِكَ الكِتابِ تَعمَلونَ فَإِنَّ فيهِ : «أذهَبُ إلى أبي وأبيكُم» فَقولوا : إنّ جَميعَ الَّذينَ خاطَبَهُم عيسى كانوا أبناءَ اللّهِ ، كَما كانَ عيسَى ابنَهُ مِنَ الوَجهِ الَّذي كانَ عيسَى ابنَهُ ، ثُمَّ إنَّ ما في هذَا الكِتابِ يُبطِلُ عَلَيكُم هذَا الَّذي زَعَمتُم أنَّ عيسى مِن جِهَةِ الاِختِصاصِ كانَ ابنا لَهُ ، لِأَنَّكُم قُلتُم : إنَّما قُلنا : إنَّهُ ابنُهُ لِأَ نَّهُ اختَصَّهُ بِما لَم يَختَصَّ بِهِ غَيرَهُ ، وأنتُم تَعلَمونَ أنَّ الَّذي خَصَّ بِهِ عيسى لَم يَخُصَّ بِهِ هؤُلاءِ القَومَ الَّذينَ قالَ لَهُم عيسى : «أذهَبُ إلى أبي وأبيكُم» ، فَبَطَلَ أن يَكونَ الاِختِصاصُ لِعيسى ، لِأَ نَّهُ قَد ثَبَتَ عِندَكُم بِقولِ عيسى لِمَن لَم يَكُن لَهُ مِثلُ اختِصاصِ عيسى ، وأنتُم إنَّما حَكَيتُم لَفظَةَ عيسى وتَأَوَّلتُموها عَلى غَيرِ وَجهِها ، لِأَ نَّهُ


حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
442

المُحدَثِ الَّذي هُوَ عيسى ؟ أو المُحدَثُ ، الَّذي هُوَ عيسى ـ صارَ قَديما لِوُجودِ القَديمِ الَّذي هُوَ اللّهُ ؟ أو مَعنى قَولِكُم : إنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ ، أنَّهُ اختَصَّهُ بِكَرامَةٍ لَم يُكرِم بِها أحَدا سِواهُ ؟
فَإِن أرَدتُم أنَّ القَديمَ صارَ مُحدَثا فَقَد أبطَلتُم ، لِأَنَّ القَديمَ مُحالٌ أن يَنقَلِبَ فَيَصيرَ مُحدَثا ، وإن أرَدتُم أنَّ المُحدَثَ صارَ قَديما فَقَد أحَلتُم ، لِأَنَّ المُحدَثَ أيضا مُحالٌ أن يَصيرَ قَديما .
وإن أرَدتُم أنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ بِأَنَّهُ اختَصَّهُ وَاصطَفاهُ عَلى سائِرِ عِبادِهِ ، فَقَد أقرَرتُم بِحُدوثِ عيسى ، وبِحُدوثِ المَعنَى الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ مِن أجلِهِ ، لِأَ نَّهُ إذا كانَ عيسى مُحدَثا وكانَ اللّهُ اتَّحَدَ بِهِ ـ بِأَن أحدَثَ بِهِ مَعنًى صارَ بِهِ أكرَمَ الخَلقِ عِندَهُ ـ فَقَد صارَ عيسى وذلِكَ المَعنى مُحدَثَينِ ، وهذا خِلافُ ما بَدَأتُم تَقولونَهُ .
قالَ : فَقالَتِ النَّصارى : يا مُحَمَّدُ ، إنَّ اللّهَ تَعالى لَمّا أظهَرَ عَلى يَدِ عيسى مِنَ الأَشياءِ العَجيبَةِ ما أظهَرَ ، فَقَدِ اتَّخَذَهُ وَلَدا عَلى جِهَةِ الكَرامَةِ .
فَقالَ لَهُم رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : فَقَد سَمِعتُم ما قُلتُهُ لِليَهودِ في هذَا المَعنَى الَّذي ذَكَرتُموهُ .
ثُمَّ أعادَ صلى الله عليه و آله ذلِكَ كُلَّهُ ، فَسَكَتوا إلّا رَجُلاً واحِدا مِنهُم فَقالَ لَهُ : يا مُحَمَّدُ! أوَلَستُم تَقولونَ : إنَّ إبراهيمَ خَليلُ اللّهِ ؟
قالَ : قَد قُلنا ذلِكَ .
فَقالَ : فَإِذا قُلتُم ذلِكَ فَلِمَ مَنَعتُمونا مِن أن نَقولَ : إنَّ عيسَى ابنُ اللّهِ ؟
فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : إنَّهُما لَن يَشتَبِها لِأَنَّ قَولَنا : إنَّ إبراهيمَ خَليلُ اللّهِ ، فَإِنَّما هُوَ مُشتَقٌّ مِنَ الخَلَّةِ أوِ الخُلَّةِ . فَأَمَّا الخَلَّةُ فَإِنَّما مَعناهَا الفَقرُ والفاقَةُ ، فَقَد كانَ خَليلاً إلى رَبِّهِ فَقيرا [إلَى اللّهِ ]وإلَيهِ مُنقَطِعا ، وعَن غَيرِهِ مُتَعَفِّفا مُعرِضا مُستَغنِيا ، وذلِكَ لَمّا اُريدَ قَذفُهُ فِي النّارِ فَرُمِيَ بِهِ فِي المَنجَنيقِ فَبَعَثَ اللّهُ تَعالى جَبرَئيلَ وقالَ لَهُ : أدرِك عَبدي ،

  • نام منبع :
    حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    لجنةٍ من المحققين
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    02/01/1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 8599
صفحه از 686
پرینت  ارسال به