441
حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی

وإبانَتَهُ بِالمَنزِلَةِ مِن غَيرِهِ : «يا بُنَيَّ» ، و «إنَّهُ ابني» ، لا عَلى إثباتِ وِلادَتِهِ مِنهُ ؛ لِأَ نَّهُ قَد يَقولُ ذلِكَ لِمَن هُوَ أجنَبِيٌّ لا نَسَبَ لَهُ بَينَهُ وبَينَهُ ؛ وكَذلِكَ لَمّا فَعَلَ اللّهُ تَعالى بِعُزَيرٍ مافَعَلَ ، كانَ قَدِ اتَّخَذَهُ ابنا عَلَى الكَرامَةِ لا عَلَى الوِلادَةِ .
فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : فَهذا ما قُلتُهُ لَكُم ، إنَّهُ إن وَجَبَ عَلى هذَا الوَجهِ أن يَكونَ عُزَيرٌ ابنَهُ ، فَإِنَّ هذِهِ المَنزِلَةَ لِموسى أولى ، وإنَّ اللّهَ تَعالى يَفضَحُ كُلَّ مُبطِلٍ بِإِقرارِهِ ويَقلِبُ عَلَيهِ حُجَّتَهُ ، إنَّ الَّذِي احتَجَجتُم بِهِ يُؤَدّيكُم إلى ما هُوَ أكبَرُ مِمّا ذَكَرتُهُ لَكُم ، لِأَنَّكُم قُلتُم : إنَّ عَظيما مِن عُظَمائِكُم قَد يَقولُ لِأَجنَبِيٍّ لا نَسَبَ بَينَهُ وبَينَهُ : «يا بُنَيَّ» ، و «هذَا ابني» ، لا عَلى طَريقِ الوِلادَةِ ، فَقَد تَجِدونَ أيضا هذَا العَظيمَ يَقولُ لِأَجنَبِيٍّ آخَرَ : «هذا أخي» ولِاخَرَ : «هذا شَيخي» و«أبي» ولِاخَرَ : «هذا سَيِّدي» و «يا سَيِّدي» ، عَلى سَبيلِ الإِكرامِ ، وإنَّ مَن زادَهُ فِي الكَرامَةِ زادَهُ في مِثلِ هذَا القَولِ ؛ فَإِذا يَجوزُ عِندَكُم أن يَكونَ موسى أخا للّهِِ ، أو شَيخا لَهُ ، أو أبا ، أو سَيِّدا ؛ لِأَ نَّهُ قد زادَهُ فِي الإِكرامِ مِمّا لِعُزَيرٍ ، كَما أنَّ مَن زادَ رَجُلاً فِي الإِكرامِ فَقالَ لَهُ : «يا سَيّدي» و «يا شَيخي» و «يا عَمّي» و «يا رَئيسي» [و «يا أميري»] ، عَلى طَريقِ الإِكرامِ ، وإنَّ مَن زادَهُ فِي الكَرامَةِ زادَهُ في مِثلِ هذَا القَولِ .
أفَيَجوزُ عِندَكُم أن يَكونَ موسى أخا للّهِ ، أو شَيخا ، أو عَمّا ، أو رَئيسا ، أو سَيِّدا ، أو أميرا ؛ لِأَ نَّهُ قَد زادَهُ فِي الإِكرامِ عَلى مَن قالَ لَهُ : «يا شيخي» أو «يا سَيِّدي» أو «يا عَمّي» أو «يا رَئيسي» أو «يا أميري» ؟!
قالَ : فَبُهِتَ القَومُ وتَحَيَّروا وقالوا : يا مُحَمَّدُ! أجِّلنا نَتَفَكَّرُ فيما قَد قُلتَهُ لَنا . فَقالَ : اُنظروا فيهِ بِقُلوبِ مُعتَقِدَةٍ لِلإِنصافِ ، يَهدِكُمُ اللّهُ تَعالى .
ثُمَّ أقبَلَ صلى الله عليه و آله عَلَى النَّصارى ، فَقالَ لَهُم : وأنتُم قُلتُم : إنَّ القَديمَ عز و جل اتَّحَدَ بِالمَسيحِ ابنِهِ ، فَمَا الَّذي أرَدتُموهُ بِهذَا القَولِ ؟ أرَدتُم أنَّ القَديمَ صارَ مُحدَثا لِوُجودِ هذَا


حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
440

وقالَ مُشرِكُو العَرَبِ : نَحنُ نَقولُ : إنَّ أوثانَنا آلِهَةٌ ، وقَدجِئناكَ لِنَنظُرَ فيما تَقولُ ، فَإِنِ اتَّبَعتَنا فَنَحنُ أسبَقُ إلَى الصَّوابِ مِنكَ وأفضَلُ ، وإن خالَفتَنا خَصَمناكَ .
فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : آمَنتُ بِاللّهِ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وكَفَرتُ بِالجِبتِ وَالطّاغوتِ ، وبِكُلِّ مَعبودٍ سِواهُ .
ثُمَّ قالَ لَهُم : إنَّ اللّهَ تَعالى قَد بَعَثَني كافَّةً لِلنّاسِ بَشيرا ، ونَذيرا ، وحُجَّةً عَلَى العالَمينَ ، وسَيَرُدُّ كَيدَ مَن يَكيدُ دينَهُ في نَحرِهِ .
ثُمَّ قالَ لِليَهودِ : أجِئتُموني لِأَقبَلَ قَولَكُم بِغَيرِ حُجَّةٍ ؟
قالوا : لا .
قالَ : فَمَا الَّذي دَعاكم إلَى القَولِ بِأَنَّ عُزَيرا اِبنُ اللّهِ ؟
قالوا : لِأَ نَّهُ أحيى لِبَني إسرائيلَ التَّوراةَ بَعدَ ما ذَهَبَت ، ولَم يَفعَل بِها هذا إلّا لِأَ نَّهُ ابنُهُ .
فَقالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : فَكَيفَ صارَ عُزَيرٌ ابنَ اللّهِ دونَ موسى ، وهُوَ الَّذي جاءَهُم بِالتَّوراةِ ورُئِيَ مِنهُ مِنَ المُعجِزاتِ ما قَد عَلِمتُم ؟ ولَئِن كانَ عُزَيرٌ ابنَ اللّهِ ، لِما ظَهَرَ مِن إكرامِهِ بِإِحياءِ التَّوراةِ ، فَلَقد كانَ موسى بِالبُّنُوَّةِ أولى وأحَقَّ ، ولَئِن كانَ هذَا المِقدارُ مِن إكرامِهِ لِعُزَيرٍ يوجِبُ لَهُ أنَّهُ ابنُهُ ، فَأضعافُ هذِهِ الكَرامَةِ لِموسى توجِبُ لَهُ مَنزِلَةً أجَلَّ مِنَ البُنُوَّةِ ، لِأَنَّكُم إن كُنتُم إنَّما تُريدونَ بِالبُّنُوَّةِ الدَّلالَةَ عَلى سَبيلِ ما تُشاهِدونَهُ في دُنياكُم مِن وِلادَةِ الاُمَّهاتِ الأَولادَ بِوَطى ءِ آبائِهِم لَهُنَّ ، فَقَد كَفَرتُم بِاللّهِ تَعالى وشَبَّهتُموهُ بِخَلقِهِ ، وأوجَبتُم فيهِ صِفاتَ المُحدَثينَ ، ووَجَبَ عِندَكُم أن يَكونَ مُحدَثا مَخلوقا ، وأن يَكونَ لَهُ خالِقٌ صَنَعَهُ وَابتَدَعَهُ .
قالوا : لَسنا نَعني هذا ، فَإِنَّ هذا كُفرٌ كَما ذَكَرتَ ، ولكِنّا نَعني أنَّهُ ابنُهُ عَلى مَعنَى الكَرامَةِ ، وإن لَم يَكُن هُناكَ وِلادَةً ، كَما قَد يَقولُ بَعضُ عُلمائِنا لِمَن يُريدُ إكرامَهُ

  • نام منبع :
    حكم النّبيّ الأعظم - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    لجنةٍ من المحققين
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    02/01/1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 8605
صفحه از 686
پرینت  ارسال به