543
مكاتيب الأئمّة

نفسَه لِما جهِل من معرفة العلم عالِما ، وبرأيِه مكْتَفِيا ، فما يَزالُ للعلماء معانِدا ، وعليْهم زارِيا ، ولِمَن خالَفه مُخَطِّئا ، ولِما لا يعرِفُ مِنَ الأُمورِ مُضَلِّلاً ، فإذا ورَدَ عليْه من الأمر ، مالا يعْرِفُه أنْكَرَه وكَذَّبَ به ، وقال بجَهالَته : ما أعرِف هذا ، وما أراهُ كان ، وما أظُنُّ أنْ يكون ، وأنَّى كان ولا أعرِف ذلِك ، لِثِقَتِه برأيِه ، وقِلَّةِ معْرِفَتهِ بجَهالَتهِ ، فَما يَنْفَكُّ ممَّا يرى فِيما يَلْتَبِسُ علَيْه برأيه ، ممَّا لا يَعرِفُ للجَهلِ مُسْتفيدا ولِلحقِّ مُنْكِرا ، وفي اللَّجاجَة متجرِّئا ، وعن طلب العلم مسْتَكْبِرا .
يا بُنَيَّ فتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي ، واجعَل نفسِك ميزانا فِيما بينك وبين غَيْرِك ، فأحْبِبْ لغَيْرِك ما تُحبُّ لنفسِك ، واكْرَه له ما تَكْرَه لها ، ولا تظْلِم كمَا لا تُحبُّ أنْ تُظْلَم ، وأحْسِن كمَا تُحبُّ أنْ يُحْسَنَ إليْكَ ، واسْتَقْبِحْ لِنفسِكَ ما تسْتَقْبِحُ من غَيْرِك ، وارْضَ من النَّاس بما تَرْضَاه لهم مِن نفسك ، ولا تَقُل ما لا تَعلَم ، بل لا تَقُل كلَّ ما عَلِمْت ، ممَّا لا تُحبُّ أنْ يُقال لَكَ .
واعلَم أنَّ الإعجابَ ضِدُّ الصَّوابِ وآفةُ الألبابِ فاسعَ في كَدْحِكَ ، ولا تَكُنْ خازِنا لِغَيْرِكَ ، وإذا هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أخْشَعَ ما تكونُ لِرَبِّكَ .
واعلم يا بُنَيَّ أنَّ أمامَك طريقا ذا مَسافَة بعيدَةٍ ومَشَقّة شديدةٍ ، وأهوالٍ شديدَةٍ ، وأنَّه لا غِنى بِكَ فِيْهِ عَن حُسْنِ الإرتيادِ ، وقَدِّرْ بلاغَكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ ، فَلا تَحْمِلَنَّ على ظَهْرك فوْقَ بلاغِك فيكونُ ثقِيلاً ووَبالاً علَيْك ، وإذا وجدْتَ مِن أهْلِ الفاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ زادَك إلى يوْم القِيامَةِ فيُوافِيكَ بِهِ غَدا ، حَيْثُ تَحتاجُ إليْهِ فاغْتَنِمْهُ ، وحَمِّلْهُ إيَّاهُ ، واغْتَنِم مَنِ اسْتَقْرَضَكَ في حالِ غِناكَ ، وجعَلَ يوم قضاءه لك في يَومِ عُسْرَتِكَ ، وحمِّلْه إيَّاه ، وأكْثِر مِن تَزْويدِهِ وأنت قادرٌ ، فلَعلَّك تطلُبُه فلا تَجِدُهُ .
واعْلَم أنَّ أمامَك عَقَبَةً كَؤودا المُخِفُّ فيها أحسنُ حالاً مِنَ المُثقلِ، والمُبْطئ عليها أقبحُ حالاً من المُسرعِ، وأنّ مهبطَكَ بها لا محالَةَ ، علَى جنَّة أو نارٍ ، فارْتَدْ


مكاتيب الأئمّة
542

ربّه في طلب طاعته ، والرهبةِ مِنْ عُقوبتِهِ ، والشَّفقةِ مِنْ سُخْطِهِ ، فإنّهُ لم يأمرك إلاّ بحسن ، ولم ينهك إلاّ عن قبيح .
وإنَّ أوَّل ما أبدؤك به من ذلِك وآخِرَه أنِّي أحْمَدُ اللّه إلهَ الأوَّلين والآخِرين ، وربَّ مَن في السَّماوات والأرضين ، بما هو أهلُه ، وكمَا يَجِبُ ويَنْبَغي له ، ونَسْألُه أنْ يُصلِّي على محمَّد وآل محمَّد ، صلَّى اللّه علَيْهم وعلى أنبِياء اللّه بصلاة جميعِ مَن صلَّى عليْه من خَلْقه ، وأن يُتِمَّ نعمتَه علَيْنا بما وَفَّقَنا له من مسْألته بالاستجابَة لَنا ، فإنَّ بِنعمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالحات .
يا بُنَيَّ إنِّي قَدْ أنْبَأتُك عن الدُّنيا وحالها وانتِقالِها وزَوالِها بأهلها ، وأنبأتُك عن الآخِرة وما أعَدَّ اللّه لأهلها فيها ، وضَرَبْتُ لَكَ أمْثالاً لتَعْتَبِر بها وتَحْذُوا علَيْها .
إنَّما مَثَلُ مَن خَبَر الدُّنيا مَثَلُ قَوْم سَفْرٍ نَبا بِهِم مَنْزِلٌ جَدِيبٌ ، فأمُّوا مَنْزِلاً خَصِيبا وجَنابا مَرِيعا فاحْتَمَلوا وَعْثاءَ الطَّريقِ ، وفِراقَ الصَّدِيق ، وخشُونَةَ السَّفَر في الطَّعام والمَنام وجُشُوبَةَ المَطْعَم ؛ ليَأتُوا سَعَةَ دارِهم ومَنْزِلَ قَرارِهم ، فلَيْسَ يَجِدون لشَيْء من ذلِك ألَما ، ولا يَرَوْن لِنَفَقةٍ مَغْرَما ، ولا شَيْء أحَبُّ إليْهم ممَّا قرَّبهم من منْزِلهم ، ومَثَلُ مَن اغترَّ بها كقوْم كانوا في منْزل خَصِيبٍ فنَبَا بِهم إلى منْزِل جَدِيب ، فليْس شَيْءٌ أكْرَه إليْهم ولا أفْظَعَ عندهم من مُفارَقَة ما هم فيْه ، إلى ما يَهْجُمُون علَيْه ويَصِيرون إليْه .
ثُمَّ فَزَعْتُك بأنْواع الجَهالاتِ ، لئَلاَّ تعُدَّ نفسَك عالِما ، لأنَّ العالم مَن عرَف أنَّ ما يَعْلَمُ فِيما لا يَعْلَمُ قَلِيلٌ ، فَعَدَّ نفسَه بذلِك جاهِلاً ، وازْدادَ بما عرَف من ذلِك في طلب العِلم اجتهادا ، فما يَزالُ للْعِلم طالِبا ، وفيه راغبِا ، ولَه مسْتَفِيدا ، ولأهلِه خاشِعا ، ولرأيه مُتَّهِما ، وللصَّمْتِ لازِما ، وللخطأ جاحِدا ، ومنه مُسْتَحِييا ، وإنْ وَرَدَ عليْه مالا يعرِفُ لم يُنْكِر ذلِك ، لِما قَرَّر به نفسَه من الجِهالة ، وإنَّ الجاهل مَن عَدَّ

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6133
صفحه از 568
پرینت  ارسال به