541
مكاتيب الأئمّة

لا بتَوَرُّط الشُّبُهات ، وغُلُوِّ الخصومات ، وابْدَأ قبْلَ نَظَرِكَ في ذلِكَ بالاستِعانَةِ بإلهِكَ ، والرَّغبةِ إليْهِ في تَوْفِيقِكَ ، وتركِ كلِّ شائِبَةٍ أولَجَتْكَ في شُبْهَةٍ ، أو أسْلَمَتْكَ إلى ضَلالَةٍ ، فإذا أيقَنْتَ أنْ قَدْ صَفى قَلْبُكَ ، فخَشَعَ ، وتَمَّ رأيُك فاجْتَمَعَ ، وكان هَمُّك في ذلِك هَمَّا واحدا ، فانْظُر فِيما فَسَّرْتُ لَكَ ، وإنْ أنْت لم يجتَمِعْ لَكَ ما تُحِبُّ مِن نَفسِكَ ، وفَراغِ نظَرِكَ وفِكْرِكَ ، فاعْلَم أنَّكَ إنَّما تَخْبِطُ العَشْواءَ ، وتَوَرَّطُ الظَّلماءَ ، ولَيْسَ طالِبُ الدِّين مَن خَبَطَ أو خَلَطَ ، والإمساكُ عن ذلِك أمْثَلُ ، فَتَفَهَّمْ يَابُنَيَّ وَصِيَّتِي، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعيدُ ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إلاّ عَلَى مَا جَعَلَهَا اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ النَّعْمَاءِ ، وَالاِبْتِلاَءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لاَ نَعْلَمُ ، فَإنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ بِهِ فَإنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ خُلِقْتَ جَاهِلاً ثُمَّ عَلِمْتَ . وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذلِكَ فاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ .
وَاعْلَمْ يَابُنَيَّ أَنَّ أَحَدا لَمْ يُنْبئْ عَنِ اللّهِ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه و آله . فَارْضَ بِهِ رَائِدا ، وَإلَى النَّجَاةِ قَائِدا ، فَإنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً . وَإنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرَ لِنَفْسِكَ ـ وَإنِ اجْتَهَدْتَ ـ مَبْلَغَ نَظَريَ لَكَ .
وَاعْلَمْ يَابُنَيَّ أنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَريكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَلَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إلهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ . لاَيُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أحَدٌ ، وَلاَ يَزُولُ أَبَدا . وَلَمْ يَزَلْ أَوَّلَ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلاَ أَوَّليَّةٍ ، وَآخِرَ بَعْدَ الْأشيَاءِ بِلا نِهَايَةٍ . عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبيَّتُهُ بِإحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَر . فَإذَا عَرَفْتَ ذلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ ، وقِلَّةِ مَقْدرَتِهِ ، وكَثْرَةِ عَجْزِهِ ، وَعَظيمِ حاجتِهِ إلى


مكاتيب الأئمّة
540

أُلقِي فيها من شَيء إلاَّ قَبِلَتْه ، فبادَرْتُك بالأدب قبْلَ أنْ يَقْسُو قَلبُك ، ويَشْتَغِل لُبُّك ، لتَسْتَقبِلَ بجِدِّ رَأيك من الأمْر ما قَدْ كفَاك أهْلُ التَّجارُب بُغْيَتَه وتَجْرِبَتَه ، فتَكونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤونَة الطَّلب ، وعُوفِيتَ من عِلاج التَّجْرِبَة ، فأتاك من ذلِك ما قَدْ كنَّا نأتيه ، واسْتَبَان لَكَ ما رُبَّما أظْلَمَ علَيْنا منهُ .
أي بُنَيَّ إنِّي وإنْ لم أكنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَنْ كانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ في أعمالهم ، وفَكَّرتُ في أخبارِهِم ، وسِرْتُ في آثارهم ، حَتَّى عُدْتُ كأحَدِهِم ، بل كأ نِّي بما انْتَهى إليَّ مِن أُمُورهم قَدْ عُمِّرْتُ مع أوَّلهم إلى آخِرهِمِ ، فعرفْتُ صَفوَ ذلِك من كَدَرِهِ ، ونَفْعَهُ من ضَرَرِهِ ، فاسْتَخْلَصتُ لَكَ من كلِّ أمْر نخيلَهُ ، وتَوَخَّيتُ لَكَ جَميلَه ، وصَرَفْتُ عنْك مَجْهُولَه ، ورأَيتُ حيث عَنانِي من أمْرك ما يَعْنِي الوالِدَ الشَّفِيقَ ، وأجْمَعتُ علَيْه من أدَبك ، أنْ يكون ذلِك وأنْت مُقْبِلُ العُمْر ومُقْتَبَلُ الدَّهر ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمة ، ونفْسٍ صافِية ، وأنْ أبْتَدئك بتَعْلِيم كتاب اللّه وتأويلِه ، وشَرائِعِ الإسْلامِ وأحكامِهِ ، وحَلالِه وحرامِهِ ، لا أُجاوِزُ ذلِك بك إلى غَيْرِه ، ثُمَّ أشْفَقْتُ أنْ يَلْتَبِس علَيْك ما اخْتَلَف النَّاسُ فيْه من أهوائهم ، مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ علَيْهم ، فكانَ إحْكامُ ذلِك لَكَ على ما كَرِهْتُ من تَنْبِيْهِك لَهُ ، أحَبَّ إليَّ من إسلامِكَ إلى أمْرٍ لا آمَنُ علَيْك بهِ الهَلَكَةَ ، ورَجَوْتُ أنْ يُوَفِّقَك اللّه فيْه لِرُشْدك ، وأنْ يَهدِيَكَ لِقَصدِكَ ، فعَهِدْتُ إلَيْك وَصِيَّتِي هذه .
واعْلَم يا بُنَيَّ أنْ أحَبَّ ما أنْتَ آخِذٌ به إليَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللّهِ ، والاقْتِصارُ على ما فرَضَهُ اللّهُ علَيْكَ ، والأخْذُ بما مَضى عليْه الأوَّلون من آبائك ، والصَّالحون من أهل بيتك ، فإنَّهم لم يَدَعُوا أنْ نَظَروا لأنفسهم كمَا أنْت ناظِرٌ ، وفَكَّروا كمَا أنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهم آخِرُ ذلِكَ إلى الأخذِ بما عَرَفُوا ، والإمْساكِ عمَّا لمْ يُكَلَّفوا ، فإنْ أبَتْ نفسُك أنْ تَقبَل ذلِكَ دُونَ أنْ تَعْلَمَ كمَا عَلِمُوا ، فَلْيَكُنْ طَلَبُك ذلِك بتَفَهُّمٍ وتَعَلُّمٍ ،

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 6138
صفحه از 568
پرینت  ارسال به