535
مكاتيب الأئمّة

[ و ] خطب يزيد بن قَيْس بصفِّين يحرّض النَّاس في اليوم السَّابع ، وكان من الأيّام العظيمة وذا أهوال شديدة ، قتل فيه عبد اللّه بن بُدَيْل الخُزاعِيّ ـ فقال :
إنَّ المسلم السَّليم مَن سلم دينُه ورأيه ، إنَّ هؤلاء القوم واللّه ، ما إن يقاتلونا على إقامة دينٍ رأونا ضيَّعناه ، ولا إحياء عدلٍ رأونا أمَتْناه ، ولا يقاتلونا إلاّ على إقامة الدُّنيا ؛ ليكونوا جبابرةً فيها ملوكا ، فلو ظهروا عليكم ـ لا أراهم اللّه ظهورا ولا سرورا ـ إذا ألْزَمُوكم مثلَ سعيدٍ والوليد وعبد اللّه بن عامر السَّفيه ، يحدِّث أحدهم في مجلسه بِذَيْتَ وذيت ، ويأخذُ مال اللّه ، ويقول : هذا لي ولا إثْمَ عليَّ فيه ، كأنَّما أعطى تُراثَه من أبيه ، وإنَّما هو مال اللّه أفاءه اللّه علينا بأسيافنا ورماحنا .
قاتلوا عبادَ اللّه القومَ الظَّالمين ، الحاكمين بغير ما أنزل اللّه ، ولا تأخذْكم في جهادهم لومةُ لائم ؛ إنَّهم إن يظهروا عليكم يُفسِدوا دينَكم ودنياكم ، وهم مَن قد عرفتُم وجرَّبتُم . واللّه ، ما أرادوا إلى هذا إلاّ شرَّا . وأستغفر اللّه العظيم لي ولكم ۱ .
[ وقد ] عدَّه الشَّيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وقال : كان عامله على الرَّيّ وهَمْذان وإصبهان ۲ .
وقال أبو نعيم : يزيد بن قَيْس الأرْحَبيّ ولاّه عليّ بن أبي طالب إصبهان والرَّيّ وهمذان ، ففرَّق عليٌّ لمَّا مات ( يزيد ) عمله بين ثلاثة نفر ، فاستعمل مِخْنَف بن سُلَيْم على إصبهان ، وعُمَر بن سَلمة على هَمْدان ، وآخر على الرَّيّ ۳ .
هذا يزيد بن قَيْس ، وكلماته ، وعقائده ، ووثوق الأمير عليه السلام به ، وكفايته في عمله ، حَتَّى ولاّه عملاً فُرّق بعده بين ثلاثة من رجاله ، ولكن يظهر من الطَّبريّ أنَّه كان

1.وقعة صفِّين : ص۲۴۷ ؛ تاريخ الطبري : ج۵ ص۱۷ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد :ج۵ ص۱۹۴ .

2.تنقيح المقال : ج۳ ص۳۲۸ ، وراجع : الإصابة : ج۶ ص۵۵۱ .

3.تاريخ أصبهان : ج۲ ص۳۲۱ الرقم ۱۸۴۶ .


مكاتيب الأئمّة
534

فأستشارهم فقال كلُّ ما عنده من الرَّأي ، فدخل يزيد بن قَيْس فقال :
يا أمير المؤمنين نحن على جَهاز وعدّة ، وأكثر النَّاس أهل قوَّة ، ومن ليس به بمضعَّف وليس به علَّة .
فَمُرْ منادِيك فلينادِ النَّاس يخرجوا إلى معسكرهم بالنُّخيلَة ؛ فإنَّ أخا الحرب ليس بالسؤوم ولا النَّؤوم ، ولا مَن إذا أمكنَه الفُرَصُ أجَّلها واستشار فيها ، ولا من يؤخّر الحربَ في اليوم إلى غدٍ وبعد غد . فقال زياد بن النَّضْر : لقد نصح لك يا أمير المؤمنين يزيدُ بن قيس ۱ .
[ و ] لمَّا توادع عليّ عليه السلام ومعاوية بصفِّين ـ في شهر محرّم الحرام ـ اختلفت الرُسل فيما بينهما رجاءَ الصُلح ، فأرسل عليّ بن أبي طالب إلى معاويةَ عَدِيّ بن حاتم ، وشَبَثَ بن رِبْعِيّ ، ويزيد بن قَيس ، وزياد بن خَصَفة ، فدخلوا على معاوية . . . وتكلَّم يزيد بن قَيْس الأرْحَبيّ فقال :
إنَّا لم نأتِك إلاّ لنبلِّغك ، ما بُعثنا به إليك ، ولنؤدِّيَ عنك ما سمِعنا منك ، لن ندَعَ أن ننصحَ لك ، وأن نذكرَ ما ظنَنَّا أنّ لنا به عليك حجَّةً ، أو أنَّه راجعٌ بك إلى الأُلفة والجماعة ، إنَّ صاحبَنا لَمَن قد عَرَفتَ وعرف المسلمون فضلَه ، ولا أظنُّه يخفى عليك أنَّ أهل الدِّين والفضل لن يعدلوك بعليّ عليه السلام ، ولن يميِّلُوا ۲ بينك وبينه .
فاتّق اللّه يا معاوية ، ولا تخالف عليَّا ، فإنَّا واللّه ، ما رأينا رجلاً قطُّ أعملَ بالتَّقوى ، ولا أزْهَد في الدُّنيا ، ولا أجمَع لخصال الخير كلِّها منه ۳ .

1.راجع : وقعة صفِّين : ص۹۲ ـ ۱۰۱ ؛ أنساب الأشراف : ج۳ ص۷۸ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۳ ص۱۸۰ ـ ۱۷۹ نحوهما .

2.التمييلُ بين الشّيئين كالترجيح بينهما، تقول العرب: إنّيلاُميّل بين ذينك الأمرين (لسان العرب: ج ۱۱ ص۶۳۷).

3.وقعة صفِّين : ص۱۹۷ ، الغدير : ج۱۰ ص۴۲۷ ، مواقف الشيعة : ج۲ ص۶۲۰ ؛ تاريخ الطبري : ج۵ ص۵ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۴ ص۲۰ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5652
صفحه از 568
پرینت  ارسال به