« أمَّا بعدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُك مِن تَسْرِيحِ الأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِك ، وإِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِك اسْتِبْطَاءً لَك فِي الْجَهْدِ ، ولا ازْدِيَادا لَك فِي الْجِدِّ ، ولَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ من سُلْطَانِك ، لَوَلَّيْتُك مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْك مَؤونَةً ، وأَعْجَبُ إِلَيْك وِلايَةً .
إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ ، كَانَ رَجُلا لَنَا نَاصِحا ، وعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيدا نَاقِما ، فَرَحِمَهُ اللّه ، فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ ، ولاقَى حِمَامَهُ ، ونَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ ، أَوْلاهُ اللّه رِضْوَانَهُ ، وضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ ، فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّك ، وامْضِ عَلَى بَصِيرَتِك ، وشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَك ، وادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّك ، وأَكْثِرِ الاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ ، يَكْفِك مَا أَهَمَّك ، ويُعِنْك عَلَى مَا يُنْزِلُ بِك ، إِنْ شَاءَ اللّه » . ۱
( قتل مُحَمَّد بن أبي بَكر رحمه الله )
إن عَمْرو بن العاص لمَّا قتل كِنانَة ، أقبل نحو مُحَمَّد بن أبي بَكر ، وقد تفرّق عنه أصحابه ، فلمَّا رأى ذلك مُحَمَّد خرج يمضي في الطَّريق حَتَّى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فآوى إليها ، وجاء عَمْرو بن العاص حَتَّى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حُدَيْج في طلب مُحَمَّد بن أبي بَكر حَتَّى انتهى إلى علوج على قارعة الطَّريق ، فسألهم هل مرَّ بكم أحدٌ تنكرونه ؟ قالوا : لا ، فقال أحدهم : إنِّي دخلت تلك الخربة ، فإذا أنا فيها برجل جالس ، فقال ابن حُدَيْج : هو هو وربّ الكعبة ، فانطلقوا يركضون حَتَّى دخلوا عليه ، واستخرجوه وقد كاد يموت عطشا ، فأقبلوا به نحو الفسطاط .
قال : ووثب أخوه عبد الرَّحمن بن أبي بَكر إلى عَمْرو بن العاص ـ وكان في جنده ـ فقال : واللّه لا يقتل أخي صبرا ، ابعث إلى معاوية بن حُدَيْج فانهه عن قتله ،