485
مكاتيب الأئمّة

ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِك ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَارا ، ولا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً ، وأَثَرَةً فَإِنَّهُما جِمَاعٌ مِن شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيَانَةِ ، وتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ والْحَيَاءِ مِن أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ .
والْقَدَمِ فِي الإسْلامِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاقا ، وأَصَحُّ أَعْرَاضا ، وأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَاقا ، وأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الأمُورِ نَظَرا ، ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ ، فَإِنَّ ذَلِك قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ ، وغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ ما تَحْتَ أَيْدِيهِمْ ، وحُجَّةٌ عليْهم إنْ خَالَفُوا أَمْرَك ، أو ثَلَمُوا أَمَانَتَك ، ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ ، وابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفَاءِ علَيْهم ، فَإِنَّ تَعَاهُدَك فِي السِّرِّ لأمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأمَانَةِ ، والرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ .
وتَحَفَّظْ مِنَ الأعْوَانِ ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَه ، إلى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَك أَخْبَارُ عُيُونِك اكْتَفَيْتَ بِذَلِك شَاهِدا ، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ ، وأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِن عَمَلِهِ ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ، ووَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ ، وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ .
وتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وصَلاحِهِمْ صَلاحا لِمَنْ سِوَاهُمْ ، ولا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ ، لأنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وأَهْلِهِ .
ولْيَكُنْ نَظَرُك فِي عِمَارَةِ الأرْضِ أَبْلَغَ مِن نَظَرِك فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ ، لأنَّ ذَلِك لا يُدْرَك إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ ، ومَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ ، وأَهْلَك الْعِبَادَ ، ولَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً ، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلا أو عِلَّةً ، أو انْقِطَاعَ شِرْبٍ ، أو بَالَّةٍ ۱ ، أو إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ ، أو أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ به أَمْرُهُمْ ، ولا يَثْقُلَنَّ عَلَيْك شَيْءٌ خَفَّفْتَ به الْمَؤونَةَ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ به

1.انقطاع بالَّةٍ : أي ما يبلُّ الأرض من ندى ومطر (شرح نهج البلاغة ، صبحي الصالح ، الرقم ۴۱۰۶) .


مكاتيب الأئمّة
484

بِسَلامَةِ صُدُورِهِمْ ، ولا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلاَّ بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ الأمُورِ وقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ ، وتَرْك اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ ، فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ ، ووَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ علَيْهم ، وتَعْدِيدِ ما أَبْلَى ذَوُو الْبَلاءِ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ ، وتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللّه .
ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ما أَبْلَى ، ولا تَضُمَّنَّ بَلاءَ امْرِئٍ إلى غَيْرِهِ ، ولا تُقَصِّرَنَّ به دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ ، ولا يَدْعُوَنَّك شَرَفُ امْرِئٍ إلى أَنْ تُعْظِمَ مِن بَلائِهِ ما كَانَ صَغِيرا ، ولا ضَعَةُ امْرِئٍ إلى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِن بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيما ، وارْدُدْ إلى اللّه ورَسُولِهِ ما يُضْلِعُك مِنَ الْخُطُوبِ ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْك مِنَ الأمُورِ ، فَقَدْ قَالَ اللّه تعالى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ : « يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَـزَعْتُمْ فِى شَىْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» ۱ ، فَالرَّدُّ إِلَى اللّه الأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ ، والرَّدُّ إلى الرَّسُولِ الأخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ .
ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِك فِي نَفْسِك مِمَّنْ لا تَضِيقُ به الأمُورُ ، ولا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ ، ولا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ ، ولا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إلى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ ، ولا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ ، ولا يَكْتَفِي بِأَدْنَى ، فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ ، وآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ ، وأَقَلَّهُمْ تَبَرُّما بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ ، وأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأمُورِ ، وأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ ، مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ ، ولا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ ، وأُولَئِك قَلِيلٌ ، ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ ، وافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ ما يُزِيلُ عِلَّتَهُ وتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إلى النَّاسِ ، وأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْك ما لا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِن خَاصَّتِك ، لِيَأْمَنَ بِذَلِك اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَك ، فَانْظُرْ فِي ذَلِك نَظَرا بَلِيغا ، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيرا فِي أَيْدِي الأشْرَارِ ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى ، وتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا .

1.النساء :۵۹ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5854
صفحه از 568
پرینت  ارسال به