483
مكاتيب الأئمّة

يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ ، ويَجْمَعُونَ مِن الْمَنَافِعِ ، ويُوتَمَنُونَ عَلَيْهِ من خَوَاصِّ الأمُورِ وعَوَامِّهَا ، ولا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعا إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وذَوِي الصِّنَاعَاتِ فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْه مِن مَرَافِقِهِمْ ، ويُقِيمُونَهُ مِن أَسْوَاقِهِمْ ، ويَكْفُونَهُمْ مِن التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ما لا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ ، ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى من أَهْلِ الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ ومَعُونَتُهُمْ ، وفِي اللّه لِكُلٍّ سَعَةٌ ، ولِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ ما يُصْلِحُهُ ، ولَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِن حَقِيقَةِ ما أَلْزَمَهُ اللّه مِن ذَلِك إِلاَّ بِالاهْتِمَامِ والاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ ، وتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ ، والصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أو ثَقُلَ .
فَوَلِّ مِن جُنُودِك أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِك لِلّهِ ولِرَسُولِهِ ولإمَامِك ، وأَنْقَاهُمْ جَيْبا ، وأَفْضَلَهُمْ حِلْما ، مِمَّنْ يُبْطِئُ عن الْغَضَبِ ، ويَسْتَرِيحُ إلى الْعُذْرِ ، ويَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ ، ويَنْبُو عَلَى الأقْوِيَاءِ ، ومِمَّنْ لا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ ، ولا يَقْعُدُ به الضَّعْفُ .
ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ والأحْسَابِ ، وأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ والسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ، ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ والشَّجَاعَةِ والسَّخَاءِ والسَّمَاحَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ ، وشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ ، ثُمَّ تَفَقَّدْ مِن أُمُورِهِمْ ما يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِن وَلَدِهِمَا ، ولا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِك شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ ، ولا تَحْقِرَنَّ لُطْفا تَعَاهَدْتَهُمْ به وإِنْ قَلَّ ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إلى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَك ، وحُسْنِ الظَّنِّ بِك ، ولا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَى جَسِيمِهَا ، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِن لُطْفِك مَوْضِعا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ، ولِلْجَسِيمِ مَوْقِعا لا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ .
ولْيَكُنْ آثَرُ رُؤوسِ جُنْدِك عِنْدَك مَنْ واسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ ، وأَفْضَلَ علَيْهم مِن جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ ، ويَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِن خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّا وَاحِدا فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فَإنَّ عَطْفَك علَيْهم يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْك ، وإنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلادِ ، وظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ وإِنَّهُ لا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إلاَّ


مكاتيب الأئمّة
482

الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ ، وتَدْرِيبا لأهْلِ الإسَاءَةِ علَى الإسَاءَةِ ، وأَلْزِمْ كُلاًّ مِنْهُمْ ما أَلْزَمَ نَفْسَهُ ، واعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إلى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِن إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، وتَخْفِيفِهِ الْمؤونَاتِ عَلَيْهِمْ ، وتَرْك اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى ما لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ ، فَلْيَكُنْ مِنْك فِي ذَلِك أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَك به حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِك ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْك نَصَبا طَوِيلا ، وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّك به لَمَنْ حَسُنَ بَلاوك عِنْدَهُ ، وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّك به لَمَنْ سَاءَ بَلاوك عِنْدَهُ .
ولا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الامَّةِ ، واجْتَمَعَتْ بِهَا الالْفَةُ ، وصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ ، ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِن مَاضِي تِلْك السُّنَنِ ، فَيَكُونَ الأجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا ، والْوِزْرُ عَلَيْك بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا .
وأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ ، ومُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ ما صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِك ، وإِقَامَةِ ما اسْتَقَامَ به النَّاسُ قَبْلَك .
واعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ ، ولا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ ، فَمِنْهَا جُنُودُ اللّه ، ومِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ والْخَاصَّةِ ، ومِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ ، ومِنْهَا عُمَّالُ الإنْصَافِ والرِّفْقِ ، ومِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ والْخَرَاجِ مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ ومُسْلِمَةِ النَّاسِ ، ومِنْهَا التُّجَّارُ وأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ ، ومِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِن ذَوِي الْحَاجَةِ والْمَسْكَنَةِ وكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللّه له سَهْمَهُ ، ووَضَعَ علَى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ ، أو سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه و آله عَهْدا مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظا .
فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللّه حُصُونُ الرَّعِيَّةِ ، وزَيْنُ الْوُلاةِ ، وعِزُّ الدِّينِ ، وسُبُلُ الأمْنِ ، ولَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ ،ثُمَّ لا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللّه لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ به عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ ، ويَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ ، ويَكُونُ مِن وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ ، ثُمَّ لا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ ، والْعُمَّالِ ، والْكُتَّابِ ، لِمَا

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5992
صفحه از 568
پرینت  ارسال به