467
مكاتيب الأئمّة

منه ، فرآه وقد دخل مسجدا وهو قائم يصلّي ، فلمّا انفتل أكبّ الرَّجل على قدميه يقبّلهما ، فقال : ما هذا الأمر ؟ ! فقال : أعتذر إليك ممّا صنعت ، فقال : لا بأس عليك ، فو اللّه ، ما دخلت المسجد إلاّ لأستغفرنّ لك ۱ .
وفي المناقب للخوارزميّ عن أبي هانى ء بن معمَّر السَّدوسيّ ـ في ذكر غلبة جند معاوية على الماء في حرب صفِّين ـ : كنت حينئذٍ مع الأشْتَر وقد تبيّن فيه العطش ، فقلت لرجل من بني عمّي : إنّ الأمير عطشان ، فقال الرَّجل : كلّ هؤلاء عِطاش ، وعندي إداوة ۲ ماء أمنعه لنفسي ، ولكنّي اُوثره على نفسي ، فتقدّم إلى الأشْتَر فعرض عليه الماء ، فقال : لا أشرب حتَّى يشرب النَّاس ۳ .
وفي تاريخ مدينة دمشق عن أبي حُذَيْفَة إسْحاق بن بِشْر ـ في ذكر وقعة اليرموك ـ : ومضى خالد يطلب عُظْمَ ۴ النَّاس حتَّى أدركهم بثَنِيَّةِ العُقاب ۵ ، وهي تهبط الهابط المُغَرِّب منها إلى غوطة دمشق ، يدرك عُظْمَ النَّاسِ حتَّى أدركهم بغوطة دمشق ، فلمّا انتهوا إلى تلك الجماعة من الرُّوم ، وأقبلوا يرمونهم بالحجارة من فوقهم ، فتقدّم إليهم الأشْتَر وهو في رجال من المسلمين ، فإذا أمامهم رجل من الرُّوم جسيم عظيم ، فمضى إليه حتَّى وقف عليه ، فاستوى هو والرُّومي على صخرة مستوية ، فاضطربا بسيفيهما ، فأطرّ الأشْتَر كفّ الرُّوميّ ، وضرب الرُّوميّ الأشْتَر بسيفه فلم يضرّه ، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه ، فوقعا على الصَّخرة ،

1.تنبيه الخواطر : ج۱ ص۲ .

2.الإداوَة : إناءٌ صغير من جلْد يُتَّخذ للماء كالسَّطيحة ونحوها ( النهاية : ج۱ ص۳۳ ) .

3.المناقب للخوارزمي : ج۲۱۵ ص۲۴۰ .

4.عُظْمُ الأمرِ وعَظْمُه : مُعْظَمُه ( لسان العرب : ج۱۲ ص۴۱۰ ) .

5.ثنيّة العُقاب : وهي ثنيّة مشرفة على غُوطة دمشق ، يطؤها القاصد من دمشق إلى حِمص ( معجم البلدان : ج۲ ص۸۵ ) .


مكاتيب الأئمّة
466

لو كان جبلاً لَكانَ فَذّا ، ولو كانَ حَجَرا لكانَ صَلْدا . لِلّهِ مالِكٌ ! وما مالِكُ ! وهَلْ قامَتِ النِّساءُ عَنْ مِثْلِ مالِك ! وهَلْ مَوجُودٌ كَمالِك ! » ۱ .
ومعاوية الَّذي كان فريدا أيضا في خبث طويّته ورذالته وضَعَته وقتله للفضيلة ، طار فرحا باستشهاد مالك ، ولم يستطع أن يخفي سروره ، فقال من فرط فرحه :
كان لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان ، فقُطعت إحداهما يوم صفِّين ـ يعني عَمَّار بن ياسر ـ وقُطعت الاُخرى اليوم ، وهو مالك الأشْتَر ۲ .
وكلّما كان يذكره الإمام عليه السلام ، يثقل عليه الغمّ والحزن ، ويتحسّر على فقده . وحين ضاق ذرعا من التَّحرّكات الجائرة لأهل الشَّام ، وتألّم لعدم سماع جُنده كلامه ، وتأوّه على قعودهم وخذلانهم له في اجتثاث جذور الفتنة ، قال رجل :
استبانَ فقدُ الأشْتَر على أهل العراقِ . لو كان حيَّا لقلَّ اللَّغط ، ولَعَلِمَ كلُّ امرئٍ مايقول ۳ .
نطق هذا الرَّجل حقّا ، فلم يكن أحد في جيش الإمام عليه السلام مثل مالك .
في تنبيه الخواطر : حكي أنّ مالكا الأشْتَر رضى الله عنه كان مجتازا بسوق الكوفة وعليه قميص خام وعمامة منه ، فرآه بعض السُّوْقة ۴ فازدرى ۵ بزيّه ؛ فرماه ببندقة تهاونا به ، فمضى ولم يلتفت ، فقيل له : ويلك ! أ تدري بمن رميت ؟ فقال : لا ، فقيل له : هذا مالك صاحب أمير المؤمنين عليه السلام ، فارتعد الرَّجل ومضى إليه ليعتذر

1.الاختصاص : ص۸۱ ، الأمالي للمفيد : ص۸۳ ح۴ ، الغارات : ج۱ ص۲۶۵ كلاهما نحوه .

2.الغارات : ج۱ ص۲۶۴ ، الاختصاص : ص۸۱ ؛ تاريخ الطبري : ج۵ ص۹۶ ، الكامل في التاريخ : ج۲ ص۴۱۰ .

3.الأمالي للطوسي : ص۱۷۴ ح۲۹۳ ، الغارات :ج۲ ص۴۸۱ .

4.السُّوْقة من الناس : الرَّعِيَّة ( النهاية : ج۲ ص۴۲۴ ) .

5.الازْدِراء : الاحتِقار والانتِقاص والعيب ( النهاية : ج۲ ص۳۰۲ ) .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5832
صفحه از 568
پرینت  ارسال به