357
مكاتيب الأئمّة

الحَزينِ ، فكأنّي الآنَ أسمَعُهُ وهُو يَقولُ : « يا دنيا ، أ إليَّ تعرّضْتِ ؟ أم إليَّ أقبَلْتِ ؟ غُرِّي غيري ، لا حانَ حَينُكِ ، قَد طَلّقتُكِ ثَلاثا لا رَجعَةَ لِي فِيكِ ، فَعيشُكِ حَقيرٌ وخَطَرُكِ يَسِيرٌ ، آهٍ مِن قِلَّةِ الزَّادِ وبُعدِ السَّفَرِ وقِلّةِ الأَنيسِ ! »
قال : فوكفت عينا معاوية ينشّفهما بِكُمّه ، ثمّ قال : يَرحم اللّهُ أبا الحسن ! كان كذا فكيف صبرك عنه ؟
قال : كصبر من ذبح ولدها في حِجرها ، فهي لا ترقأ دمعتها ، ولا تسكن عبرتها .
قال : فكيف ذكرك له ؟
قال : وهل يتركني الدَّهر أن أنساه ! ۱

مالِكُ بنُ حَبيب

مالك بن حَبيب اليَرْبُوعيّ من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام البررة ، وعندما تحرّك الإمام عليه السلام تلقاء صفِّين ، تركه في الكوفة ليعبّئ النَّاس لنصرته .
وكان قد ساءه عدم حضوره المعركة معه ، لكنّ الإمام عليه السلام وعده بالأجر العظيم ، وكان مالك على شرطة الإمام عليه السلام في الكوفة ۲ .
في وقعة صفِّين : أخذ مالك بن حَبيب رجلاً وقد تخلّف عن عليّ فضرب عنقه ، فبلغ ذلك قومه ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى مالك ، فنتسقّطه لعلّه أن يقرّ لنا بقتله ، فإنّه رجل أهوج .

1.المحاسن والمساوئ : ص۴۶ ، وفي أكثر المصادر نقل هذا الكلام عن ضِرار بن ضمرة . راجع : ضِرار بن ضمرة الضبابي .

2.وقعة صفّين : ص۱۳۳ .


مكاتيب الأئمّة
356

خاطبه بشيء ۱ .
وفي المحاسن والمساوئ : إنّ عَدِيّ بن حاتم دخل على معاوية بن أبي سُفْيَان فقال : يا عَدِيّ ، أين الطَّرَفات ؟ يعني بنيه طريفا وطارفا وطرفة .
قال : قُتلوا يوم صفِّين بين يدي عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه .
فقال : ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدّم بنيك وأخّر بنيه !
قال : بل ما أنصفت أنا عليّا ؛ إذ قُتل وبقيتُ !
قال : صف لي عليّا . فقال : إنّ رأيت أن تُعفيني .
قال : لا أعفيك .
قال : كان واللّهِ ؟ بعيدَ المدى وشديدَ القوى ، يَقولُ عدلاً ويَحكُمُ فصلاً ، تتفجّر الحكمةُ من جوانبهِ ، والعلمُ مِن نَواحيهِ ، يستوحش من الدُّنيا وزهرتها ، ويستأنِسُ بالليل ووحشته ، وكان واللّه ، غزيرَ الدَّمعة ، طويلَ الفِكرَةِ ، يُحاسِبُ نفسَهُ إذا خَلا ، ويُقلِّبُ كَفّيهِ علَى ما مضَى ، يُعجِبُهُ مِنَ اللِّباسِ القصيرُ ، ومِنَ المَعاشِ الخَشِنُ ، وكانَ فينا كأحَدِنا ، يُجيبنا إذا سألناهُ ويُدنينا إذا أتَيناهُ ، ونَحنُ مَعَ تقريبِهِ لَنا وقُربِهِ مِنّا لا نُكَلّمُه لِهَيبتهِ ، ولا نرفَعُ أعيُنَنا إليهِ لِعظمَتِهِ ، فإن تَبسَّمَ فَعَنِ اللُّؤلؤِ المَنظُومِ ، يُعظِّمُ أهلَ الدِّينِ ، يَتحبَّبُ إلى المَساكِينِ ، لا يخافُ القَوِيُّ ظُلمَهُ ، ولا ييأس الضَّعيف من عدله .
فاُقسِمُ ، لَقدْ رأيتُهُ ليلةً وقَد مَثُلَ في محرابِهِ ، وأرخى اللَّيلُ سِربالَهُ وغَارَتْ نُجومُهُ ، ودُموعُهُ تتحادَرُ على لِحيَتِهِ وهو يَتملمَلُ تَملمُلَ السَّليمِ ، ويَبكِي بُكاءَ

1.مروج الذهب : ج۳ ص۱۳ وراجع تاريخ مدينة دمشق : ج۴۰ ص۹۵ ، العقد الفريد : ج۳ ص۸۶ ، الأمالي للسيّد المرتضى : ج۱ ص۲۱۷ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5368
صفحه از 568
پرینت  ارسال به