يَجْحَدِ المَفضُولُ ذا الفَضْلِ فَضلَهُ ، ولَو شاءَ عَجَّل مِنهُ النِّقمَةَ ، وكانَ مِنهُ التَّغييرُ حِينَ يُكذَّبُ الظَّالِمُ ، ويعلَمُ الحقُّ أينَ مَصِيرُهُ ، واللّهُ جَعَلَ الدُّنيا دارَ الأعْمالِ ، وجَعَلَ الآخِرَةَ دارَ الثَّوابِ والعِقابِ ، « لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَــواْ بِمَا عَمِلُواْ وَ يَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى » ۱ ، فَقُلتُ شُكرا للّهِ علَى نَعمائِهِ ، وصَبْرا على بَلائِهِ ، وتسلِيما ورضِىً بِقَضائِهِ .
ثُمَّ قال صلى الله عليه و آله : يا أخي ، أبشِرْ فَإنَّ حَياتَكَ ومَوتَكَ مَعِي ، وأنتَ أخِي ، وأنتَ وَصيّي ، وأنتَ وَزِيري ، وأنتَ وارِثي ، وأنتَ تُقاتِلُ علَى سُنَّتِي ، وأنت مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى ، ولَكَ بِهارُونَ أُسْوةٌ حَسَنَةٌ ، إذ استَضعَفَهُ أهلُهُ ، وتَظاهَرُوا عَليهِ ، وكادوا يَقْتُلونَهُ ، فاصبِرْ لِظُلمِ قُرَيشٍ إيَّاكَ، وتَظاهُرَهُم عَليكَ ، فإنَّها ضَغائِنُ في صُدورِ قَومٍ لَهُم أحقادُ بَدرٍ ، وتِراتُ أُحُدٍ .
وإنَّ مُوسى أمرَ هارُونَ حِينَ استَخلَفَهُ في قومِهِ ، إن ضَلُّوا فوجَدَ أعوانا أن يجاهِدَهُم بِهِم ، فإن لم يَجِدْ أعوانا أن يَكُفَّ يَدَه ويَحْقِنَ دَمَهُ ، ولا يُفَرِّقَ بَينَهُم فافْعَل أنتَ كَذلِكَ ، إن وَجَدتَ عَلَيهِم أعوانا فَجاهِدْهُم ، وإن لَم تجِدْ أعوانا فاكفُفْ يَدَكَ ، واحقِنْ دَمَكَ ، فإنَّكَ إنْ نابَذتَهُم قَتلُوكَ .
واعلَم أنَّك إن لَم تَكُفَّ يَدَك وتَحقِنَ دَمَكَ ، إذا لَم تَجِدْ أعوانا تَخَوَّفتُ عَليكَ أن يَرجِعَ النَّاسُ إلى عِبادَةِ الأصنامِ ، والجُحُودِ بأنِّي رَسُولُ اللّهِ ، فاستَظهِرْ بالحُجَّةِ عَليهِم ، ودَعهُم لِيَهْلِكَ النَّاصبونَ لَكَ والباغُونَ علَيكَ ، ويَسْلَمَ العَامَّةُ والخَاصَّةُ ، فإذا وجَدْتَ يَوما أعوانا على إقامَةِ كتابِ اللّهِ والسُّنَّةِ ، فَقاتِلْ علَى تأويلِ القُرآنِ ، كما قاتَلْتَ علَى تَنْزيلِهِ ، فإنَّما يَهلِكُ مِنَ الأُمَّةِ مَن نصَبَ لَكَ ، أو لِأحَدٍ من أوصيائِكَ ، وعادَى وجَحَدَ ودانَ بِخِلافِ ما أنتمُ علَيهِ .