309
مكاتيب الأئمّة

يَجْحَدِ المَفضُولُ ذا الفَضْلِ فَضلَهُ ، ولَو شاءَ عَجَّل مِنهُ النِّقمَةَ ، وكانَ مِنهُ التَّغييرُ حِينَ يُكذَّبُ الظَّالِمُ ، ويعلَمُ الحقُّ أينَ مَصِيرُهُ ، واللّهُ جَعَلَ الدُّنيا دارَ الأعْمالِ ، وجَعَلَ الآخِرَةَ دارَ الثَّوابِ والعِقابِ ، « لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَــواْ بِمَا عَمِلُواْ وَ يَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى » ۱ ، فَقُلتُ شُكرا للّهِ علَى نَعمائِهِ ، وصَبْرا على بَلائِهِ ، وتسلِيما ورضِىً بِقَضائِهِ .
ثُمَّ قال صلى الله عليه و آله : يا أخي ، أبشِرْ فَإنَّ حَياتَكَ ومَوتَكَ مَعِي ، وأنتَ أخِي ، وأنتَ وَصيّي ، وأنتَ وَزِيري ، وأنتَ وارِثي ، وأنتَ تُقاتِلُ علَى سُنَّتِي ، وأنت مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى ، ولَكَ بِهارُونَ أُسْوةٌ حَسَنَةٌ ، إذ استَضعَفَهُ أهلُهُ ، وتَظاهَرُوا عَليهِ ، وكادوا يَقْتُلونَهُ ، فاصبِرْ لِظُلمِ قُرَيشٍ إيَّاكَ، وتَظاهُرَهُم عَليكَ ، فإنَّها ضَغائِنُ في صُدورِ قَومٍ لَهُم أحقادُ بَدرٍ ، وتِراتُ أُحُدٍ .
وإنَّ مُوسى أمرَ هارُونَ حِينَ استَخلَفَهُ في قومِهِ ، إن ضَلُّوا فوجَدَ أعوانا أن يجاهِدَهُم بِهِم ، فإن لم يَجِدْ أعوانا أن يَكُفَّ يَدَه ويَحْقِنَ دَمَهُ ، ولا يُفَرِّقَ بَينَهُم فافْعَل أنتَ كَذلِكَ ، إن وَجَدتَ عَلَيهِم أعوانا فَجاهِدْهُم ، وإن لَم تجِدْ أعوانا فاكفُفْ يَدَكَ ، واحقِنْ دَمَكَ ، فإنَّكَ إنْ نابَذتَهُم قَتلُوكَ .
واعلَم أنَّك إن لَم تَكُفَّ يَدَك وتَحقِنَ دَمَكَ ، إذا لَم تَجِدْ أعوانا تَخَوَّفتُ عَليكَ أن يَرجِعَ النَّاسُ إلى عِبادَةِ الأصنامِ ، والجُحُودِ بأنِّي رَسُولُ اللّهِ ، فاستَظهِرْ بالحُجَّةِ عَليهِم ، ودَعهُم لِيَهْلِكَ النَّاصبونَ لَكَ والباغُونَ علَيكَ ، ويَسْلَمَ العَامَّةُ والخَاصَّةُ ، فإذا وجَدْتَ يَوما أعوانا على إقامَةِ كتابِ اللّهِ والسُّنَّةِ ، فَقاتِلْ علَى تأويلِ القُرآنِ ، كما قاتَلْتَ علَى تَنْزيلِهِ ، فإنَّما يَهلِكُ مِنَ الأُمَّةِ مَن نصَبَ لَكَ ، أو لِأحَدٍ من أوصيائِكَ ، وعادَى وجَحَدَ ودانَ بِخِلافِ ما أنتمُ علَيهِ .

1.النجم : ۳۱ .


مكاتيب الأئمّة
308

وأخبرني أنَّه يَعصِمُني مِنَ النَّاسِ ، فأمَرَني أنْ أُجاهِدَ ولَو بِنَفسي ، فقال : « فَقَـتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ » ۱ وقال : « حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ » ۲ ، وقَد مَكَثْتُ بِمَكَّةَ ما مَكَثْتُ لم أُؤمَر بقتالٍ ، ثُمَّ أَمَرني بالقِتالِ ، لِأ نَّهُ لا يُعرَفُ الدِّين إلاَّ بي ، ولا الشَّرايِعُ ، ولا السُّنَنُ والأحكام والحدود والحلال والحرام ، وإنَّ النّاسَ يَدَعُونَ بَعدِي ما أمرَهُم اللّهُ بهِ ، وما أمَرَهُم فِيكَ مِن وِلايَتِكَ ، وما أظهَرتُ مِن مَحَبَّتِكَ متعمِّدين غَيرَ جاهِلينَ ، مُخالَفَةً لِما أنزَلَ اللّهُ فِيكَ ، فإن وَجدتَ أعوانا علَيهِم فَجاهِدهُم ، فإن لم تجدْ أعوانا فاكفُفْ يَدَكَ ، واحقِنْ دَمَكَ ، فإنَّك إن نابَذتَهم قَتلُوكَ ، وإن تابَعُوكَ وأطاعُوكَ فاحمِلْهُم على الحَقِّ ، وإلاّ فادعُ النَّاسَ ، فإن استجابُوا لَكَ ووازَرُوكَ فَنابِذْهُم وجاهِدْهُم ، وإنْ لَم تَجِدْ أعوانا فاكفُفْ يَدَكَ واحقِنْ دَمَكَ .
واعلَم أنَّكَ إنْ دَعَوْتَهم لم يَستَجِيبُوا لَكَ ، فَلا تَدَعَنَّ عَن أنْ تَجعَلَ الحُجَّةَ علَيهِم ، إنَّكَ يا أخي لَستَ مثلي ، إنِّي قد أَقمْتُ حُجَّتَكَ ، وأظهرتُ لَهُم ما أنزَلَ اللّهُ فِيكَ ، وإنَّهُ لم يُعلَم أنِّي رَسولُ اللّهِ ، وأنَّ حَقِّي وطاعَتي واجِبانِ حَتَّى أظهرتُ ذلِكَ ، وأمّا أنتَ فإنِّي كُنتُ قَد أظهَرتُ حُجَّتَكَ ، وقُمتُ بأمْرِكَ ، فإن سَكتَّ عنهم لم تأثَمْ غير أنَّه أحبُّ أن تَدعُوهُم ، وإنْ لَم يستجيبوا لَكَ ، ولَم يقبَلُوا مِنكَ، وتَظاهَرَتْ علَيكَ ظَلَمَةُ قُريشٍ فَدَعْهُم ، فإنِّي أخافُ علَيكَ إن ناهَضتَ القومَ ، ونابَذْتَهم ، وجاهَدتهم، مِن غَيرِ أنْ يَكُونَ مَعَكَ فِئَةٌ تَقْوى بِهِم أنْ يَقْتُلُوكَ ، والتَّقِيَّةُ مِن دينِ اللّهِ ، ولا دِينَ لِمَن لا تَقِيَّةَ لَهُ .
وإنَّ اللّهَ قَضَى الاختِلافَ ، والفُرقَةَ على هذهِ الأُمَّةِ ، ولَو شاءَ لَجَمَعَهُم علَى الهُدى ، ولَم يَختَلِفْ إثنانِ مِنها ، ولا مِن خَلقِهِ ، ولَم يَتَنازَعْ في شَيءٍ مِن أمرِهِ ، ولَمْ

1.النساء : ۸۴ .

2.الأنفال : ۶۵ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5682
صفحه از 568
پرینت  ارسال به