وروى الحارث بن حُصَيْن ، أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله دفع إلى جَرِير بن عبد اللّه نعلين من نعاله ، وقال : احتفظ بهما فإنَّ ذهابهما ذَهاب دينك فلمَّا كان يوم الجمل ذهبت إحداهما، فلمَّا أرسله عليّ عليه السلام إلى معاوية ذهبت الأخرى ، ثُمَّ فارق عليَّا و . . .
عن الأعمش أنَّ جَرِيرا والأشْعَث خرجا إلى جبَّان الكوفة ، فمرَّ بهما ضبّ يعدو وهما في ذم عليّ عليه السلام فنادياه : يا أبا حسل ؛ هلمَّ يدك نبايعك بالخلافة فبلغ عليَّا عليه السلام قولهما ، فقال : « أما إنَّهما يحشران يوم القيامة وإمامهما ضبّ » . ۱
فقال الآبي : قال بعض قريش : أتيت الكوفة فتَبوَّأْت بها منزلاً ، ثُمَّ خرجت أُريد عليَّا عليه السلام ، فلقيني في الطَّريق وهو بين الأشْعَث بن قَيْس ، وجَرِير بن عبد اللّه ، فلمَّا رآني خرج من بينهما فسلَّم عليّ ، فلمَّا سكت قلت : يا أمير المؤمنين ، مَن هذان ؟ وما رأيهما ؟
فقال : « أمّا هذا الأعْوَر ـ يعني الأشْعَث ـ فإنَّ اللّهَ لم يَرفعْ شَرَفا إلاَّ حَسَدَهُ ، ولم يَسُنَّ دينا إلاَّ بَغَاهُ ، وهو يُمَنِّي نفسَهُ ويخدَعُها ، فهو بينهما لا يَثِقُ بواحدة مِنهُما ، ومنَّ اللّهُ عليهِ أن جعَلَهُ جَبانا ، ولو كان شجاعا لَقد قَتَلهُ الحَقّ بَعدُ . وأمَّا هذا الأكشفُ ـ يعني جَرِيرا ـ عبد الجاهليّة، فهوَ يَرى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَحقِرُهُ ، فَهُو مُمتَلِى ءٌ بأْوا ۲ ، وهو في ذلك يألبُ ۳ حُجْرا يؤْويه ، ومنصبا يُغنيه . وهذا الأعْوَر يُغوِيهِ ويطغيه ، إنْ حَدَّثَهُ كَذِبَهُ ، وإنْ قامَ دُونَهُ نكَصَ عنهُ ، فَهُما كالشَّيطانِ « إِذْ قَالَ لِلاْءِنسَـنِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِّنكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَــلَمِينَ » » ۴ .
قال : فقلت له : واللّه يا أمير المؤمنين لقد نزلت بشرِّ منزل ، ما أنت إلاَّ بين الكلب والذِّئب .
1.شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۴ ص۷۴ .
2.البأو: الكِبر والتعظيم. ( النهاية: ج ۱ ص ۹۱ « بأو » ).
3.الألوبُ: الذي يُسرع، يُقال: ألَبَ يألِبُ ويألُبُ. ( لسان العرب: ج ۱ ص ۲۱۵ «ألب» ).
4.الحشر : ۱۶ .