215
مكاتيب الأئمّة

أقول : التَّسبيب إذا كان عن قصد وإرادة من المسبّب، تُعدّ أفعال المأمور فعلاً للمسبّب والآمر ، ويعاقب به ويثاب عليه في الدُّنيا والآخرة ، ولكن إذا كان الأمير عليه السلام نصبه للعدل، وإجراء أحكام الإسلام، لا يُعدّ فعله ـ عرفا ـ فعلاً للأمير عليه السلام ، فكيف عدّ فعله فعلاً له ، وصار شريكا معه في الأجر والوزر ؟
ويحتمل أن يكون التَّسبيب ـ ولو من دون قصد ـ في خصوص الحكومة الإسلامية وعمَّالها موجبا للوزر أو الأجر عند اللّه ، تشديدا في المؤاخذة ، كي يكون ذلك باعثا للأئمَّة على الدِّقة البالغة ، والاهتمام الأكيد ، والفحص والبحث في نصب العمَّال ، واستعمال الأشخاص في الأُمور المرتبطة بالحكومة ، كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى الأشْتَر رضى الله عنه بقوله : « فاستعملهم اختِبارا ، ولا تُولِّهم مُحاباةً وأثَرةً ، فإنَّهما جِماعٌ من شُعَب الجور والخيانة . . .ثُمَّ تفقَّدْ أعمالهم ، وابعث العُيون من أهل الصِّدقِ والوفاءِ عليهم . . .فإنْ أحدٌ منهم بَسطَ يَدَهُ إلى خيانَةٍ اجتمَعت بها عَلَيهِ عندَكَ أخبارُ عُيُونِكَ ، اكتفَيتَ بذلِكَ شاهِدا ، فَبسَطْتَ عليهِ العُقوبَةَ في بدنه ( يديه ) وأخذتَه بما أصابَ مِن عَمَلِهِ . . . ». ۱
وفي عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعليّ عليه السلام على ما ادّعاه القاضي النُّعْمان في الدَّعائم :
ممّا ينبغي أن ينظر فيه الوالي من أمر عمَّاله : انظر في أُمور عمَّالك الَّذِين تستعملهم ، فَلْيَكُنْ استعمالُكَ إيَّاهم اختيارا ، ولا يَكُنْ محاباةً ، ولا إيثارا ، فإنَّ الأثَرَةَ بالأعمالِ ، والمحاباةَ بها جِماعٌ مِن شُعَبِ الجَوْرِ والخِيانَةِ للّهِ ، وإدخالِ الضَّررِ على النَّاسِ ، ولَيْسَتْ تَصْلُحُ أُمورُ النَّاسِ ولا أُمورُ الوُلاةِ، إلاَّ بِصَلاحِ مَنْ يَستَعِينُونَ بهِ علَى أُمُورِهِم . . .ثُمَّ لا تَدَعْ مَعَ ذَلِكَ تَفَقُدَ أَعْمالِهِم ، وبِعْثَةَ العُيونِ عَلَيهِم مِن أَهْلِ الأمانَةِ والصِّدقِ . ۲

1.نهج البلاغة : الكتاب۵۳ ، بحار الأنوار : ج۳۳ ص۶۰۵ ح۷۴۴ .

2.دعائم الإسلام : ج۱ ص۳۶۱ .


مكاتيب الأئمّة
214

شدَّة احتياج إلى ما يقدر عليه زيادة على حاجته ، من سكنى وملبوس ومأكول فيمنعه ، أو أمكنه أن يدفع عنه ظلم الظَّالم ولم يفعله ، أو هاجره غيظا وحقدا من دون أن يعوده إذا مرض ، أو يزوره إذا قدم من سفره ، وأمثال ذلك ، فإنَّ جميع ذلك ، وأمثالها قطع للرحم ، وأضدادها من دفع الأذيّة ، ومواساته بماله ، وزيارته ، وإعانته باللِّسان واليد والرِجل والجاه وغير ذلك صلة . ثُمَّ الظَّاهر تحقيق الواسطة بين القطع والصِّلة ، إذ كلُّ إحسان ولو كان ممّا لا يحتاج إليه قريبه ، وهو محتاج إليه يسمّى صلة ، وعدمه لا يسمّى قطعا . ۱
قوله عليه السلام : « فَارْبَعْ أبا الْعَبَّاسِ » ، يعني قف وتثبّت في جميع ما يصدر منك من قول أو فعل ، ولا تعجل، من رَبَعَ كمَنَعَ : وقف وانتظر وتحبَّس ، ومنه قولهم : أربع عليك، أو على نفسك، أو على ظلمك ۲ ، وقوله: أبا العبّاس ، تكريم له حيث ذكره بالكنية .
وقوله عليه السلام : « لا يَفِيلَنَّ رَأْيِي فيك » ، مِن فيَّل رأيه تفييلا ، إذا قبّحه وضعَّفه وخطَّأه . يعني : حيث أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام رآه أهلاً لهذا المقام الخطير، فإنَّ عمله على خلاف الحقّ، يوجب ضعف رأيه عليه السلام فيه .
وقوله عليه السلام : « فإِنَّا شَرِيكَانِ في ذلك » ، علَّة لقوله : « فَارْبَعْ » ، وهذا يعطى معنى لطيفا في الآمر والمأمور، من نسبة الأفعال التَّسبيبيّة إلى المسبّب ، ونسبة فعل المأمور إلى الآمر . وإنَّما كان الأمير عليه السلام شريكه فيه ، لأنَّه كان سببا بعيدا فيما جرى على يد ابن عبَّاس ولسانه ، وهو كان نائبا عنه ، وسببا قريبا في أفعاله وأقواله وكلَّ ما صنع بالرَّعيَّة ، فإنَّما هو مستند له عليه السلام ، وإلاَّ لما كان له مكنة وقدرة على ذلك . ۳

1.جامع السعادات : ج۲ ص۲۶۱ .

2.راجع : قاموس الرجال : ج۳ ص۲۴ .

3.راجع : منهاج البراعة : ج۱۸ ص۳۱۹ .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5712
صفحه از 568
پرینت  ارسال به