71
مكاتيب الأئمّة

۲۱

وصيَّتُه عليه السلام لأخيه الحسين عليه السلام

في الأمالي : حدَّثنا محمَّد بن محمَّد ، قال : حدَّثنا أبو الحسن عليّ بن بلال المهلبيّ ، قال : حدَّثنا مزاحم بن عبدالوارث بن عبَّاد البصريّ بمصر ، قال : حدَّثنا محمَّد بن زكريَّا الغلابيّ ، قال : حدَّثنا العبَّاس بن بكَّار ، قال : حدَّثنا أبو بكر الهذليّ ، عن عكرمة ، عن ابن عبَّاس ۱ .

1.عَبدُ اللّه ِ بنُ عَبّاس عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطلب أبو العبّاس القُرَشيّ الهاشِميّ ، من المفسّرين والمحدّثين المشهورين في التّاريخ الإسلامي ، وُلِدَ بمكّة في الشِّعب قبل الهجرة بثلاث سنين . وذهب إلى المدينة سنة ۸ ه ، عام الفتح . كان عمر يستشيره في أيّام خلافته . وعندما ثار النَّاس على عثمان ، كان مندوبه في الحجّ . ولمّا آلت الخلافة إلى الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام كان صاحبه ، ونصيره ، ومستشاره ، وأحد ولاته واُمرائه العسكريّين . كان على مقدّمة الجيش في معركة الجمل ، ثمّ ولي البصرة بعدها . وقبل أن تبدأ حرب صفِّين ، استخلف أبا الأسْوَد الدُّؤليّ على البصرة وتوجّه مع الإمام عليه السلام لحرب معاوية . كان أحد اُمراء الجيش في الأيّام السَّبعة الاُولى من الحرب . ولازم الإمام عليه السلام بثباتٍ على طول الحرب . اختاره الإمام عليه السلام ممثّلاً عنه في التَّحكيم ، بَيْدَ أنّ الخوارج والأشْعَث عارضوا ذلك قائلين : لا فرق بينه وبين عليّ عليه السلام . حاورَ الخوارج مندوبا عن الإمام عليه السلام في النَّهروان مرارا . وأظهر في مناظراته الواعية عدمَ استقامتهم ، وتزعزع موقفهم ، كما بيَّن منزلة الإمام الرَّفيعة السَّامية . كان واليا على البصرة عند استشهاد الإمام عليه السلام . بايع الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ، وتوجّه إلى البصرة من قِبَله . ولم يشترك مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء . وعلّل البعض ذلك بعماه . لم يبايع عبدَ اللّه بن الزُّبَيْر حين استولى على الحجاز ، والبصرة ، والعراق . ومحمّد بن الحنفيّة لم يبايعه أيضا ، فكَبُرَ ذلك على ابن الزُّبَيْر حتَّى همّ بإحراقهما . كان ابن عبّاس عالما له منزلته الرَّفيعة العالية في التَّفسير ، والحديث ، والفقه . وكان تلميذ الإمام عليه السلام في العلم مفتخرا بذلك أعظم افتخار . توفّي ابن عبّاس في منفاه بالطائف سنة ۶۸ ه وهو ابن إحدى وسبعين ، وهو يكثر من قوله : اللَّهمَّ إنِّي أتقرَّب إليك بمحمّدٍ وآله ، اللَّهمَّ إنِّي أتقرّب إليك بولاية الشّيخ عليّ بن أبي طالب وفي رواية : لمّا حضرت عبد اللّه بن عبّاس الوفاة قال : اللَّهمَّ إنِّي أتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب . خلفاء بني العبّاس من ذرّيّته وأخبر الإمام عليه السلام بهذا في خطابه لابن عبّاس أبا الأملاك . المستدرك على الصّحيحين عن الزّهري : قال المهاجرون لعمر بن الخطّاب : ادع أبناءنا كما تدعو ابن عبّاس . قال : ذاكم فتى الكهول ، إنّ له لسانا سؤولاً وقلبا عقولاً . أنساب الأشراف : إنّ ابن عبّاس خلا بعليٍّ حين أراد أن يبعث أبا موسى فقال : إنّي أخاف أن يخدع معاوية وعمرو أبا موسى فابعثني حكما ولا تبعثه ولا تلتفت إلى قول الأشعث وغيره ممّن اختاره فأبى ، فلمّا كان من أمر أبي موسى وخديعة عمرو له ما كان ، قال عليّ : للّه درّ ابن عبّاس إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق . مختصر تاريخ دمشق عن المدائني : قال عليّ بن أبي طالب في عبد اللّه بن عبّاس : إنّه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق لعقله وفطنته بالاُمور . الجمل عن أبي مخنف لوط بن يحيى : لمّا استعمل أمير المؤمنين عليه السلام عبد اللّه بن العبّاس على البصرة ، خطب النّاس فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسوله ، ثمّ قال : يا معاشر النّاس ! قد استخلفت عليكم عبد اللّه بن العبّاس ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره ما أطاع اللّه ورسوله ، فإن أحدث فيكم أو زاغ عن الحقّ فأعلموني أعزله عنكم ، فإنّي أرجو أن أجده عفيفا تقيّا ورعا ، وإنّي لم اُولّه عليكم إلاّ وأنا أظنّ ذلك به ، غفر اللّه لنا ولكم . وقعة صفّين : كان عليّ قد استخلف ابن عبّاس على البصرة ، فكتب عبد اللّه بن عبّاس إلى عليّ يذكر له اختلاف أهل البصرة ، فكتب إليه عليّ : من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عبد اللّه بن عبّاس . أمّا بعد ، فالحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد عبده ورسوله . أمّا بعد ، فقد قدم عليَّ رسولك، وذكرت ما رأيت وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي ، وساُخبرك عن القوم : هم بين مقيم لرغبة يرجوها ، أو عقوبة يخشاها ، فأرغب راغبهم بالعدل عليه ، والإنصاف له والإحسان إليه ، وحُلّ عقدة الخوف عن قلوبهم ، فإنّه ليس لاُمراء أهل البصرة في قلوبهم عظم إلاّ قليل منهم . وانتهِ إلى أمري ولا تعده ، وأحسن إلى هذا الحيّ من ربيعة ، وكلّ مَن قِبَلك فأحسن إليهم ما استطعت إن شاء اللّه ، والسلام . الإمام عليّ عليه السلام ـ من كتاب له إلى عبد اللّه بن عبّاس وهو عامله على البصرة ـ : و اعلم أنّ البصرة مهبط إبليس ، ومغرس الفتن ، فحادث أهلها بالإحسان إليهم ، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم ، وقد بلغني تنمّرك لبني تميم ، وغلظتك عليهم ، وإنّ بني تميم لم يغب لهم نجم إلاّ طلع لهم آخر ، وإنّهم لم يسبقوا بوغم في جاهليّة ولا إسلام ، وإنّ لهم بنا رحما ماسّة ، وقرابة خاصّة ، نحن مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها . فاربع أبا العبّاس ـ رحمك اللّه ـ فيما جرى على لسانك ويدك من خير وشرّ ! فإنّا شريكان في ذلك ، وكن عند صالح ظنّي بك ، ولا يفيلنّ رأيي فيك ، والسّلام . مختصر تاريخ دمشق عن سفيان بن عيينة : ورد صعصعة بن صوحان على عليّ بن أبي طالب من البصرة ، فسأله عن عبد اللّه بن عبّاس ، وكان على خلافته بها ، فقال صعصعة : يا أمير المؤمنين ، إنّه آخذ بثلاث وتارك لثلاث : آخذ بقلوب الرّجال إذا حدّث ، وبحسن الاستماع إذا حُدّث ، وبأيسر الأمرين إذا خولف . تارك للمراء ، وتارك لمقاربة اللّئيم ، وتارك لما يُعتذر منه . رجال الكشّي عن الحارث : استعمل عليّ عليه السلام على البصرة عبد اللّه بن عبّاس ، فحمل كلّ مال في بيت المال بالبصرة ، ولحق بمكّة وترك عليّا عليه السلام ، وكان مبلغه ألفي ألف درهم . فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى ، فقال : هذا ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله في علمه وقدره يفعل مثل هذا ، فكيف يؤمن من كان دونه ؟ اللهمّ إنّي قد مللتهم فأرحني منهم ، واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول . رجال الكشّي عن الشّعبيّ : لمّا احتمل عبد اللّه بن عبّاس بيت مال البصرة وذهب به إلى الحجاز ، كتب إليه عليّ بن أبي طالب : من عبد اللّه عليّ بن أبي طالب إلى عبد اللّه بن عبّاس ، أمّا بعد ، فإنّي قد كنت أشركتك في أمانتي ، ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إليَّ ، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب ، والعدوّ عليه قد حرب ، وأمانة النّاس قد خربت ، وهذه الاُمور قد قست ، قلبت لابن عمّك ظهر المِجَنِّ ، وفارقته مع المفارقين ، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين . فكأ نّك لم تكن تريد اللّه بجهادك ، وكأ نّك لم تكن على بيّنة من ربّك ، وكأ نّك إنّما كنت تكيد اُمّة محمّد صلى الله عليه و آله على دنياهم ، وتنوي غرّتهم ، فلمّا أمكنتك الشّدّة في خيانة اُمّة محمّد أسرعت الوثبة وعجّلت العدوة ، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذّئب الأزلّ رمية المعزى الكسير . كأ نّك ـ لا أبا لك ـ إنّما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك واُمّك ، سبحان اللّه ! أ ما تؤمن بالمعاد ؟ ! أ وَما تخاف من سوء الحساب ؟ ! أ وَما يكبر عليك أن تشتري الإماء ، وتنكح النّساء بأموال الأرامل والمهاجرين الّذين أفاء اللّه عليهم هذه البلاد ؟ ! اردد إلى القوم أموالهم ، فوَاللّه لئن لم تفعل ثمّ أمكنني اللّه منك لأعذرنّ اللّه فيك ، فوَاللّه لو أنّ حسنا وحسينا فعلا مثل ما فعلت ، لما كان لهما عندي في ذلك هوادة ، ولا لواحد منهما عندي فيه رخصة ، حتّى آخذ الحقّ ، واُزيح الجور عن مظلومها ، والسّلام . قال : فكتب إليه عبد اللّه بن عبّاس : أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك ، تعظّم عليَّ إصابة المال الّذي أخذته من بيت مال البصرة ، ولعمري إنّ لي في بيت مال اللّه أكثر ممّا أخذت ، والسّلام . قال : فكتب إليه عليّ بن أبي طالب عليه السلام : أمّا بعد ، فالعجب كلّ العجب من تزيين نفسك ، أنّ لك في بيت مال اللّه أكثر ممّا أخذت ، وأكثر ممّا لرجل من المسلمين ، فقد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل ، وادّعاؤك ما لا يكون ينجيك من الإثم ، ويحلّ لك ما حرّم اللّه عليك ، عمّرك اللّه إنّك لأنت العبد المهتدي إذا . فقد بلغني أ نّك اتّخذت مكّة وطنا وضربت بها عطنا ، تشتري مولّدات مكّة والطّائف ، تختارهنّ على عينك ، وتعطي فيهنّ مال غيرك ، وإنّي لأقسم باللّه ربّي وربّك ربّ العزّة ، ما يسرّني أنّ ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثا ، فلا غرو ، وأشدّ باغتباطك تأكله رويدا رويدا ، فكأن قد بلغتَ المدى ، وعُرضت على ربّك ، والمحلّ الّذي يتمنّى الرّجعة ، والمُضيّع للتوبة كذلك وما ذلك ، ولات حين مناص ! والسلام . قال : فكتب إليه عبد اللّه بن عبّاس : أمّا بعد ، فقد أكثرت عليَّ ، فوَاللّه لأن ألقى اللّه بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه بدم رجل مسلم . الإمام عليّ عليه السلام ـ من كتاب له إلى بعض عمّاله ـ : أمّا بعد ، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي ، وجعلتك شعاري و بطانتي ، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي ، وأداء الأمانة إليّ ، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب ، والعدوّ قد حرب ، وأمانة النّاس قد خَزيت ، وهذه الاُمّة قد فنكت وشغرت ، قلبتَ لابن عمّك ظهر المجنّ ، ففارقته مع المفارقين ، وخذلته مع الخاذلين ، وخُنته مع الخائنين ، فلا ابن عمّك آسيت ، ولا الأمانة أدّيت . وكأ نّك لم تكن اللّه َ تريد بجهادك ، وكأ نّك لم تكن على بيّنة من ربّك ، وكأ نّك إنّما كنت تكيد هذه الاُمّة عن دنياهم ، وتنوي غرّتهم عن فيئهم ، فلمّا أمكنتك الشّدّة في خيانة الاُمّة أسرعت الكرّة ، وعاجلت الوثبة ، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز رحيب الصّدر بحمله ، غير متأثّم من أخذه ، كأ نّك ـ لا أبا لغيرك ـ حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك واُمّك ، فسبحان اللّه ! أ ما تؤمن بالمعاد ؟ أ وَما تخاف نقاش الحساب ؟ أيّها المعدود ـ كانَ ـ عندنا من اُولي الألباب ، كيف تسيغ شرابا وطعاما ، وأنت تعلم أ نّك تأكل حراما ، وتشرب حراما ، وتبتاع الإماء وتنكح النّساء من أموال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين ، الّذين أفاء اللّه عليهم هذه الأموال ، وأحرز بهم هذه البلاد ! فاتّقِ اللّه واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني اللّه منك لاُعذرنّ إلى اللّه فيك ، ولأضربنّك بسيفي الّذي ما ضربت به أحدا إلاّ دخل النّار ! وواللّه لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الّذي فعلت ، ما كانت لهما عندي هوادة ، ولا ظفرا منّي بإرادة ، حتى آخذ الحقّ منهما ، واُزيح الباطل عن مظلمتهما ، واُقسم باللّه ربّ العالمين ما يسرّني أنّ ما أخذته من أموالهم حلال لي ، أتركه ميراثا لمن بعدي ، فضحِّ رُويدا ، فكأ نّك قد بلغت المدى ، ودُفنت تحت الثرى ، وعُرضت عليك أعمالك بالمحلّ الّذي ينادي الظالم فيه بالحسرة ، ويتمنّى المضيّع فيه الرّجعة ، ولات حين مناص ! . عيون الأخبار لابن قتيبة : وجدت في كتاب لعليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه إلى ابن عبّاس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ : إنّي أشركتك في أمانتي ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي ، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب ، والعدوّ قد حرب ، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ بفراقه مع المفارقين ، وخذلانه مع الخاذلين ، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الاُمّة اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى . وفي الكتاب : ضحِّ رويدا فكأن قد بلغت المدى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الّذي به ينادي المغترّ بالحسرة ، ويتمنّى المضيّع التّوبة ، والظالم الرّجعة . تاريخ الطّبري : خرج عبد اللّه بن العبّاس من البصرة ولحق مكّة في قول عامّة أهل السِّيَر ، وقد أنكر ذلك بعضهم ، وزعم أ نّه لم يزل بالبصرة عاملاً عليها من قِبَل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام حتّى قُتل ، وبعد مقتل عليّ حتى صالح الحسن معاوية ، ثمّ خرج حينئذٍ إلى مكّة . تاريخ اليعقوبي : كتب أبو الأسود الدّؤلي ـ وكان خليفة عبد اللّه بن عبّاس بالبصرة ـ إلى عليّ يعلمه أنّ عبد اللّه أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه يأمره بردّها ، فامتنع ، فكتب يقسم له باللّه لتردّنّها . فلمّا ردّها عبد اللّه بن عبّاس ، أو ردّ أكثرها ، كتب إليه عليّ : أمّا بعد ، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من الدّنيا فلا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا ، واجعل همّك لما بعد الموت ، والسّلام . فكان ابن عبّاس يقول : ما اتّعظت بكلام قطّ اتّعاظي بكلام أمير المؤمنين . . « كلام فيما نسب إلى ابن عبّاس من الخيانة » من الملاحظات المهمّة في حياة ابن عبّاس موضوع بيت المال بالبصرة ؛ فقد جاء في المصادر التّاريخيّة والحديثيّة كتاريخ الطّبري ، والكامل في التّاريخ ، وأنساب الأشراف ، ورجال الكشّي ، ونهج البلاغة وأمثالها أ نّه أخذ من بيت مال البصرة ، وتختلف أنظار الباحثين حول هذا الموضوع على أقوال : أ ـ أنكره بعض الباحثين وعلماء الرّجال نظرا إلى : ـ ضعف الأسانيد . ـ جلالة ابن عبّاس وعلمه وفضله . ـ ارتباطه الوثيق بالإمام عليّ عليه السلام وإخلاصه له وحبّه إيّاه . ـ دور الاُمويّين في تشويه سمعة أصحاب الإمام عليه السلام . ب ـ اعترف قسم منهم ببعض ما حصل ، لأ نّه ورد في كتب كثيرة ، وتناقله النّاس آنذاك ، وانتُقِد ابن عبّاس عليه يومئذٍ ، فلم يرَ هؤلاء أنّ إنكاره أمر سهل . ج ـ أقرّ بعضهم بأصل الموضوع وبتذكير الإمام عليه السلام إيّاه ، فذهبوا إلى أ نّه وقف على خطئه ، وأعاد أكثر الأموال أو بعضها . وهذا ما ذكره اليعقوبي في تاريخه ، ويبدو أنّ اليعقوبي قد تفرّد في نقله ، غير أ نّه يمكن أن يكون مفيدا في تحليل الموضوع . النقطة المهمّة الّتي ينبغي ألاّ ننساها في مثل هذه الموضوعات هي دور المفتعِلين للحوادث والمُرجِفين . وقد وقف حسن بن زين الدّين المشهور بصاحب المعالم على دور الأمويّين في اختلاق هذه الحادثة ، وأكّده باحثون مثل السيّد جعفر مرتضى العاملي . وسيتيسّر علينا فهم هذه النّقطة إذا عرفنا أنّ ابن عبّاس ـ نظرا إلى مكانته السّامية وسمعته العلميّة الّتي لا تُنكَر ـ كان المدافع الشّجاع عن عليّ وآل عليّ : في ذلك العهد الأموي الأسود ، كما كان المنتقد الجريء للأمويّين والكاشف عن فضائحهم . علما أ نّنا لا نقول بعصمته ، ولا ننكر احتمال خطئه ، بَيْدَ أ نّا نستبعد قبول جميع ما جاء في كتب التّاريخ حول هذا الموضوع ، ولا نراه لائقا بشأن ابن عبّاس . ولذا قال ابن أبي الحديد : قد أشكل عليَّ أمر هذا الكتاب ، فإن أنا كذّبت النّقل وقلت : هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام ، خالفت الرّواة ، فإنّهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه ، وقد ذكر في أكثر كتب السِّيَر ، وإن صرفته إلى عبد اللّه بن عبّاس صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد وفاته ، وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السلام ، والكلام يُشعر بأنّ الرّجل المخاطب من أهله وبني عمّه ، فأنا في هذا الموضع من المتوقّفين ! (راجع : أنساب الأشراف : ج ۴ ، حلية الأولياء : ج ۱ ، فضائل الصّحابة لابن حنبل : ج ۲ ، التّاريخ الكبير : ج ۵ ، سِيَر أعلام النّبلاء : ج ۳ ، تاريخ بغداد : ج ۱ ، تاريخ مدينة دمشق : ج ۲۹ ، سِيَر أعلام النّبلاء : ج ۳ ، تاريخ الطّبري : ج ۴ ، العقد الفريد : ج ۳ ، الإمامة والسّياسة : ج ۱ ، مروج الذّهب : ج ۲ ، الأخبار الطّوال ، الفتوح : ج ۴ ، عيون الأخبار لابن قتيبة : ج ۱ ، البداية والنّهاية : ج ۸ ؛ الإرشاد ، الجمل ، وقعة صفّين ، كفاية الأثر ، بشارة المصطفى ، المناقب لابن شهر آشوب : ج ۳ ، نهج الحقّ ، .. . ) وقد ذكرنا هذا الموضوع مفصّلاً مع مصادرهِ في كتاب «مكاتيب الإمام علي عليه السلام » .


مكاتيب الأئمّة
70

۴ ـ عدم إمكان صدور عبارة مثل: «حتّى جرّد السيف وطلبها فما صفا له شيء منها» عن الإمام الحسن عليه السلام بحقّ والدهِ، وهو يعلم عصمته وحكمته واتباعه لأمر اللّه .
۵ ـ «واني واللّه لا أرى أن يجمع اللّه فينا أهل البيت النبوّة والخلافة» هل يعقل أن يقول الحسن ذلك؟ وأن يجهل أمير المؤمنين عليه السلام هذه الحقيقة؟
۶ ـ قوله: «فلا أعرفَنَّ ما استخفَّك سفهاءُ أهل الكوفة فأخرجوك... الخ» أليس في هذا ـ إن صحَّ ـ حجّة على الحسين عليه السلام في خروجه إلى الكوفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا خالف الحسين وصية أخاه؟
۷ ـ نفت هذه الرواية ما اجمع عليه المؤرخون في العامة والخاصة، من أنّ عائشة ركبت على بغل وقالت: «نحّوا ابنكم عن بيتي» وقالت: «لا تدخلوا بيتي من لا أحب» وهذه الرواية تُثبت البراءة لعائشة وانّ التقصير من مروان لا منها.
۸ ـ ما نقله صاحب ذخائر العقبى من أنَّ أبا هريرة كان يتوسل بالحسين عليه السلام في سبيل عدم تضييع وصية أخيه الحسن، وهذا أعجب العجب، أفيكون الحسين محتاجا لمثل هذا النصح؟ أو يكون أبو هريرة أحرص من الحسين على إنفاذ وصية أخيه. وهو الذي نفّذها كاملة ولم يرق في أمر أخيه محجمة من دم.
هذا كلّه ما يخصّ مناقشة أقسام من متن هذه الوصية التي نسبت إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام .
وأمّا ما يخصّ سندَ هذه الوصيّة فنقول:
إنّ الأسانيد التي نقلت بها هذه الوصيّة ضعيفة جدّا، مع اضطراب متونها، ولم تذكر في مصادر أبناء العامّة المعتبرة عندهم، مضافا إلى كونها لم ترد في مصدر واحدٍ من مصادر الشيعة، بل على العكس عدَّها بعض علماء الشيعة من الافتراءات.

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2224
صفحه از 340
پرینت  ارسال به