25
مكاتيب الأئمّة

أقول : الَّذي يقوى في النَّظر هو تعدُّدُ الكتَّابين لما بين مضمونيهما من الاختلاف ، وكذا بين جوابي معاوية اختلاف شديد ، وإنْ كان بينهما تشابه أيضاً ، هذا وإن نقلهما المعتزلي أحدهما برواية المدائنيّ والآخر برواية الإصبهانيّ ، وظاهرُ كلامه الاتِّحاد كما فهمه في معنى ذلك ، وظاهرُ كلمات الأعلام عَدا المعتزلي التَّعدّد أيضا ، كما أنَّ الإربلي رحمه اللهنقل الكتاب الأوَّل ، كما أسلفنا عنه ، وقال : وكان بينه وبين الحسن عليه السلام مكاتبات ، واحتجَّ عليه الحسن عليه السلام في استحقاقه الأمر وتوثُّبِ مَن تقدَّم على أبيه عليه السلام وابتزازه ۱ ؛ كأنَّه يشير إلى هذا الكتاب .

۴

كتابه عليه السلام إلى معاوية

في ترغيبه باتّباع الحقّ

كتب معاوية إلى الحسن بن علي عليهماالسلام :
بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم
أمَّا بعدُ ؛ فإنَّ اللّه عز و جل يَفعلُ في عبادهِ ما يشاءُ «لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ » ۲ فاحْذَر أنْ تكونَ مَنيَّتُكَ على يَد رُعاعٍ مِنَ النَّاسِ ، وَايأس مِن أنْ تَجِدَ فينا غَميزةً ۳ ، وإن أنت أعرَضتَ عمَّا أنت فيهِ وَبايعتَني ، وفَيتُ لَكَ بما وَعَدتُ ، وَأجَزتُ لَكَ ما شَرَطتُ ، وأكونُ في ذلِكَ كما قالَ أعشى بني قَيسٍ بنِ ثَعلبة :

وَإنْ أحَدٌ أسدى إليكَ أمانَةًفَأَوفِ بِها تُدْعَى إذا مِتَّ وافِياً
وَلا تَحسُدِ المَولَى إذا كان ذا غِنىًوَلا تجْفُه إنْ كان فِي المالِ فانِياً
ثُمَّ الخلافَةُ لَكَ مِن بعدي ، فَأنتَ أولى النَّاسِ بها ، والسَّلامُ .
فأجابه الحسن بن علي عليهماالسلام :
بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم
أمَّا بَعدُ ؛ وَصَلَ إليَّ كِتابُكَ ، تَذكُرُ فيهِ ما ذَكَرتَ ، فَتَركتُ جَوابَكَ خَشيَةَ البَغي عَلَيكَ ، وبِاللّهِ أَعوذُ مِن ذلِكَ ، فاتَّبِعِ الحَقَّ تَعلَم أنِّي مِن أهلهِ ، وَعَلَيَّ إثمٌ أنْ أَقولَ فأكذِبُ ، والسَّلام .

فلمَّا وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه ، ثمَّ كتب إلى عمَّاله على النّواحي نسخة واحدة :
بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم
من معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ، ومن قِبَله من المسلمين .
سلام عليكم ، فإنِّي أحمد إليكم اللّه الَّذي لا إله إلاَّ هو ، أمَّا بعدُ ؛ فالحمد للّه الَّذي كفاكم مُؤنَةَ عَدوِّكم ، وَقَتَلَةَ خَليفَتِكُم ، إنَّ اللّهَ بلُطْفهِ ، وحُسنِ صُنْعِهِ ، أتاحَ لِعليِّ بن أبي طالبٍ رَجُلاً من عباده ، فاغتالَهُ فقَتَلهُ ، فتَرَك أصحابَهُ مُتفرِّقينَ مُختَلِفينَ ، وَقد جاءَتنا كُتُبُ أشرافِهِم وقادَتِهِم يَلتَمسونَ الأمانَ لِأنفُسِهِم وَعشائِرِهِم ؛ فَأقبِلوا إليَّ حِينَ يأتيكُم كِتابي هذا بِجُندِكُم وجُهدِكُم وَحُسنِ عِدَّتِكُم ، فَقَد أصَبتم بِحَمدِ اللّهِ الثَأرَ ، وبَلَغتُمُ الأمَلَ ، وَأهلَكَ اللّهُ أهلَ البغي والعُدوانِ ، والسَّلامُ عَليكُم ورَحمَةُ اللّهِ وبَرَكاتُهُ . ۴

1.كشف الغمّة : ج ۲ ص ۱۶۵ .

2.الرّعد : ۴۱ .

3.الغميزة : المطعن .

4.مقاتل الطّالبيّين : ص ۶۸ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ۱۶ ص ۳۷ ؛ المناقب لابن شهرآشوب : ج ۴ ص ۳۲ ، بحار الأنوار : ج ۴۴ ص ۵۵ كلّها مع اختلاف يسير.


مكاتيب الأئمّة
24

لِقُريشٍ لِمكانِها مِن نَبيِّها ، وَرَأى صُلَحاءُ النَّاسِ مِن قُرَيشٍ والأَنصارِ وَغَيرِهِم مِن سائِرِ النَّاسِ وعامَتِهِم أنْ يُوَلُّوا هذا الأمرَِمن قُرَيشٍ أَقدَمَها إسلاماً وَأعلَمَها باللّهِ ، وأحبَّها لَهُ وَأَقواها عَلى أمرِ اللّهِ ، واختاروا أبا بكرٍ ، وَكانَ ذلِكَ رَأيَ ذوي الحِجى والدِّينِ والفَضيلَةِ ، والنَّاظرين لِلأُمَّةِ ، فَأوقَعَ ذلِكَ في صُدورِكُم لَهُم التُّهمَةَ وَلَم يَكونوا بِمُتَّهَمينَ ، وَلا فيما أتَوا بِمُخطئينَ ، وَلَو رَأى المُسلِمونَ فِيكُم مَن يُغني غَناءَهُ ، أو يَقومُ مَقامَهُ ، أو يَذبُّ عَن حَريمِ المُسلِمينَ ذَبَّهُ ، ما عَدَلوا بذلِكَ الأَمرِ إلى غَيرِهِ رَغبَةً عَنهُ ، وَلكِنَّهُم عَمِلوا ۱ في ذلِكَ بِما رَأوهُ صَلاحاً للإسلامِ وأهلِهِ ، فاللّهُ يَجزيهِم عَنِ الإسلامِ وَأهلِهِ خَيراً .
وَقَد فَهِمتُ الَّذي دَعَوتَنِي إليهِ مِنَ الصُّلحِ ، والحالُ فيما بَيني وَبَينَكَ اليومَ مِثلُ الحالِ الَّتي كُنتُم عَلَيها أنتم وَأبو بَكرٍ بَعدَ النّبي صلى الله عليه و آله ، ولو عَلِمتُ أنَّكَ أضبَطُ مِنِّي للرَعيَّةِ ، وأحوَطُ عَلى هذهِ الأُمَّةِ ، وَأحسَنُ سِياسَةً ، وَأقوى عَلى جَمعِ الأموالِ ، وَأكيَدُ للعَدُوِّ ، لَأَجبتُكَ إلى ما دَعَوتَني إليهِ ، وَرَأيتُكَ لِذلِكَ أَهلاً ، ولكنِّي قَد عَلِمتُ أنِّي أطوَلُ مِنكَ وِلايَةً ، وَأقدَمُ مِنكَ لِهذهِ الأُمَّةِ تَجرِبَةً ، وأكثَرُ مِنكَ سِياسَةً ، وأكبرُ مِنكَ سِنَّاً ، فَأنتَ أحَقُّ أن تُجيبَني إلى هذهِ المَنزِلَةِ الَّتي سَألتَني ، فَادخُل في طاعَتي ، وَلَكَ الأمرُ مِن بَعدي ، وَلَكَ ما في بَيتِ مالِ العراقِ مِن مالٍ بالِغاً ما بَلَغَ ، تَحمِلُهُ إلى حَيثُ أَحبَبتَ ، ولَكَ خَراجُ أيِّ كُوَرِ العِراقِ شِئتَ ؛ مَعونةً لَكَ على نَفَقَتكَ ، يَجيبها لكَ أمينُكَ ، ويَحمِلُها إليكَ في كُلِّ سَنَةٍ ؛ ولَكَ ألاَّ يستولى عَلَيكَ بالإساءَةِ ، ولا تُقضى دونَكَ الأُمورُ ، ولا تُعصى في أمر أَرَدت بهِ طاعَةَ اللّهِ عز و جل . أعاننا اللّهُ وإيَّاكَ عَلى طاعَتِهِ ، إنَّه سَميعٌ مُجيبُ الدُّعاءِ ، وَالسَّلامُ . ۲

1.في شرح نهج البلاغة : «علموا» بدل «عملوا» .

2.مقاتل الطّالبيّين : ص ۶۴ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ۱۶ ص ۳۳ نحوه ؛ بحار الأنوار : ج ۴۴ ص ۳۹.

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2312
صفحه از 340
پرینت  ارسال به