انظُر هَل ابتلُوا بمِثلِ ما ابتُليتَ ، أَم هَل وقَعوا في مِثلِ ما وَقَعتَ فيهِ ، أم هَل تَراهُم ذَكَرتَ خَيراً أهمَلوهُ ۱ ، وعَلِمتَ شيئاً جَهِلوهُ ، بَل حَظِيتَ بِما حَلَّ من حالِكَ في صُدورِ العامَّةِ وكَلَفِهِم بِكَ ، إذ صاروا يقتَدونَ بِرأيِكَ ، وَيعمَلونَ بِأمرِكَ ، إن أحلَلتَ أحلُّوا ، وإن حَرَّمتَ حَرَّموا ، وَلَيسَ ذلِكَ عِندَكَ ، وَلكِن أظهرَهم عَلَيكَ رَغبَتُهُم فيما لَدَيكَ ، ذَهابُ عُلمائِهِم ، وغَلَبةُ الجَهلِ عَلَيكَ وعَلَيهِم ، وحُبُّ الرِّئاسَةِ ، وطَلَبُ الدُّنيا مِنكَ ومِنهُم .
أما ترى ما أنتَ فيهِ مِنَ الجَهلِ والغِرَّةِ ، وما النَّاسُ فيهِ مِنَ البلاءِ والفِتنَةِ ، قد ابتلَيتَهُم وفَتنتَهُم بالشُّغلِ عَن مَكاسِبِهم مِمَّا رَأَوا ، فتاقَت نُفوسُهُم إلى أنْ يبلَغوا مِنَ العِلمِ ما بلَغْتَ ، أو يُدركوا بِهِ مِثلَ الذي أدرَكتَ ، فوقَعوا مِنكَ في بَحرٍ لا يُدرَكُ عُمقُهُ ، وفي بلاءٍ لا يُقدَّرُ قَدرُهُ ، فاللّهُ لنا ولَكَ وَهُو المُستعانُ .
في الحثِّ على ترك ما هو فيه وتوبيخه على رغبته في الدّنيا :
أمَّا بَعدُ ؛ فَأعرِض عَن كُلِّ ما أنتَ فيهِ حَتَّى تَلحَقُ بالصَّالِحينَ ، الَّذين دُفِنوا في أسمالِهم ۲ ، لاصِقة بُطونُهم بِظُهورِهِم ، ليسَ بَينَهم وبينَ اللّهِ حِجابٌ ، ولا تَفْتِنُهُم الدُّنيا ، ولا يُفتَنون بِها ، رَغَبوا فطَلَبوا فَما لَبِثوا أنْ لَحِقوا ، فإذا كانت الدُّنيا تَبلُغُ مِن مِثلِكَ هذا المبلَغِ معَ كِبَرِ سِنِّكَ ، وَرُسوخِ علمِكَ ، وَحُضور أجلِكَ ، فَكَيفَ يَسْلَم الحدَثُ في سِنِّهِ ، الجاهِلُ في علمِهِ ، المأفُونُ في رأيهِ ۳ ، المدخولُ في عَقلِهِ ؛ إنَّا للّهِ وإنَّا إليهِ راجِعونَ ، على مَنِ المُعَوَّلُ ۴ ؟ وعِندَ مَنِ المُستَعتَبُ؟ نَشكو إلى اللّهِ بَثَّنا
1.في بعض النسخ : «أم هل ترى ذكرت خيراً علموه وعملت شيئاً جهلوه» ، وفى بعضها«أم هل تراه ذكراً خيراً عملوه ، وعملت شيئاً جهلوه» .
2.الأسمال ـ جمع سمل بالتحريك ـ : الثوب الخلق البالي .
3.المأفون : الّذي ضعف رأيه ، والمدخول في عقله : الّذي دخل في عقله الفساد .
4.المعوّل : المعتمد والمستغاث ، واستعتبه : استرضاه ، والبث : الحال ، الشتات ، أشدّ الحزن .