183
مكاتيب الأئمّة

انظُر هَل ابتلُوا بمِثلِ ما ابتُليتَ ، أَم هَل وقَعوا في مِثلِ ما وَقَعتَ فيهِ ، أم هَل تَراهُم ذَكَرتَ خَيراً أهمَلوهُ ۱ ، وعَلِمتَ شيئاً جَهِلوهُ ، بَل حَظِيتَ بِما حَلَّ من حالِكَ في صُدورِ العامَّةِ وكَلَفِهِم بِكَ ، إذ صاروا يقتَدونَ بِرأيِكَ ، وَيعمَلونَ بِأمرِكَ ، إن أحلَلتَ أحلُّوا ، وإن حَرَّمتَ حَرَّموا ، وَلَيسَ ذلِكَ عِندَكَ ، وَلكِن أظهرَهم عَلَيكَ رَغبَتُهُم فيما لَدَيكَ ، ذَهابُ عُلمائِهِم ، وغَلَبةُ الجَهلِ عَلَيكَ وعَلَيهِم ، وحُبُّ الرِّئاسَةِ ، وطَلَبُ الدُّنيا مِنكَ ومِنهُم .
أما ترى ما أنتَ فيهِ مِنَ الجَهلِ والغِرَّةِ ، وما النَّاسُ فيهِ مِنَ البلاءِ والفِتنَةِ ، قد ابتلَيتَهُم وفَتنتَهُم بالشُّغلِ عَن مَكاسِبِهم مِمَّا رَأَوا ، فتاقَت نُفوسُهُم إلى أنْ يبلَغوا مِنَ العِلمِ ما بلَغْتَ ، أو يُدركوا بِهِ مِثلَ الذي أدرَكتَ ، فوقَعوا مِنكَ في بَحرٍ لا يُدرَكُ عُمقُهُ ، وفي بلاءٍ لا يُقدَّرُ قَدرُهُ ، فاللّهُ لنا ولَكَ وَهُو المُستعانُ .
في الحثِّ على ترك ما هو فيه وتوبيخه على رغبته في الدّنيا :
أمَّا بَعدُ ؛ فَأعرِض عَن كُلِّ ما أنتَ فيهِ حَتَّى تَلحَقُ بالصَّالِحينَ ، الَّذين دُفِنوا في أسمالِهم ۲ ، لاصِقة بُطونُهم بِظُهورِهِم ، ليسَ بَينَهم وبينَ اللّهِ حِجابٌ ، ولا تَفْتِنُهُم الدُّنيا ، ولا يُفتَنون بِها ، رَغَبوا فطَلَبوا فَما لَبِثوا أنْ لَحِقوا ، فإذا كانت الدُّنيا تَبلُغُ مِن مِثلِكَ هذا المبلَغِ معَ كِبَرِ سِنِّكَ ، وَرُسوخِ علمِكَ ، وَحُضور أجلِكَ ، فَكَيفَ يَسْلَم الحدَثُ في سِنِّهِ ، الجاهِلُ في علمِهِ ، المأفُونُ في رأيهِ ۳ ، المدخولُ في عَقلِهِ ؛ إنَّا للّهِ وإنَّا إليهِ راجِعونَ ، على مَنِ المُعَوَّلُ ۴ ؟ وعِندَ مَنِ المُستَعتَبُ؟ نَشكو إلى اللّهِ بَثَّنا

1.في بعض النسخ : «أم هل ترى ذكرت خيراً علموه وعملت شيئاً جهلوه» ، وفى بعضها«أم هل تراه ذكراً خيراً عملوه ، وعملت شيئاً جهلوه» .

2.الأسمال ـ جمع سمل بالتحريك ـ : الثوب الخلق البالي .

3.المأفون : الّذي ضعف رأيه ، والمدخول في عقله : الّذي دخل في عقله الفساد .

4.المعوّل : المعتمد والمستغاث ، واستعتبه : استرضاه ، والبث : الحال ، الشتات ، أشدّ الحزن .


مكاتيب الأئمّة
182

داعِياً إلى غَيِّهم ، سالِكاً سَبيلَهُم ، يُدخُلُونَ بِكَ الشَّكَّ عَلى العُلماءِ ، وَيقْتادونَ بِكَ قُلوبَ الجُهَّالَ إلَيهِم ، فَلَم يَبلُغ أخَصُّ وُزرائِهِم ، وَلا أقوى أَعوانِهِم إلاَّ دُونَ ما بَلَغتَ مِن إصلاحِ فَسادِهِم واختِلافِ الخاصَّةِ والعامَّةِ إِلَيهِم ، فَما أقلَّ ما أَعطَوكَ في قَدرِ ما أخَذوا مِنكَ ، وما أيسَرَ ما عَمَروا لَكَ ، فَكَيفَ ما خَرَّبوا عَلَيكَ . فانظُر لِنَفسِكَ فإنَّهُ لا يَنظرُ لَها غَيرُكَ ، وحاسِبها حِسابَ رَجُلٍ مَسؤولٍ .
في التّزهيد بالدُّنيا :
وانظُر كَيفَ شُكرُكَ لِمَن غَذَّاك بِنِعَمِهِ صغيراً وكبيراً ، فَما أخوَفَني أنْ تَكونَ كما قالَ اللّهُ في كتابهِ : «فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَْدْنَى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا» ۱ ، إنَّكَ لَستَ في دارِ مُقامٍ ، أنتَ في دارٍ قَد آذنت بِرَحيلٍ ، فما بقاءُ المَرءِ بَعدَ قُرَنائِهِ . طوبى لِمَن كانَ في الدُّنيا عَلى وَجَلٍ ، يا بُؤسَ لِمَن يَموتُ وتَبقى ذُنوبُهُ مِن بَعدِهِ .
احذَر فَقَد نُبِّئتَ ، وبادِر فَقَد اُجِّلتَ ، إنَّكَ تُعامِلُ مَن لا يَجهَلُ ، وإنَّ الَّذي يَحفَظُ عَلَيكَ لا يَغفَلُ ، تَجَهَّز فَقَد دَنا مِنكَ سَفَرٌ بَعيدٌ ، وَداوِ ذَنبَكَ فَقَد دَخَلَهُ سُقْمٌ شَديدٌ .
وَلا تَحسَب أنِّي أرَدتُ توبِيخَكَ وَتعنِيفَكَ ۲ وَتعييرَكَ ، لَكِنِّي أرَدتُ أن يُنعِشَ اللّهُ ما قد فاتَ مِنَ رَأيِكَ ، ويرُدَّ إلَيكَ ما عَزَبَ ۳ من دِينِكِ ، وذَكَرْتُ قَولَ اللّهِ تَعالى في كتابهِ : «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » ۴ .
أغفَلْتَ ذِكرَ مَن مَضَى من أسنانِكَ وَأقرانِكَ ، وَبقيتَ بَعدَهُم كَقرنٍ أعْضَبَ ۵ .

1.الأعراف : ۱۶۹ .

2.عنّفه : لامه وعتب عليه ولم يرفق به ، وينعش اللّه ما فات أي يجبر ويتدارك .

3.عزب : بَعُدَ .

4.الذاريات : ۵۵ .

5.العضباء : الشّاة المكسورة القرن .

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2332
صفحه از 340
پرینت  ارسال به