113
مكاتيب الأئمّة

قال : تَخرُجُ إلى مَكَّة فَإن اطمأنَّت بِكَ الدَّارُ بِها فَذاكَ الَّذي تُحِبُّ ، وَإن تَكُنِ الأُخرى خَرَجتَ إلى بِلادِ اليَمنِ ، فَإنَّهم أنصارُ جَدِّكَ وَأبيكَ وَأخيكَ ، وَهُم أرأَفُ وَأرَقُّ قُلوباً ، وأوسَعُ النَّاسِ بِلاداً ، وأرجحهم عُقولاً ؛ فَإنِ اطمَأنَّت بِكَ أرضُ اليَمن فذاكَ ، وَإلاَّ لحَقتَ بالرِّمالِ وشُعوبِ الجِبالِ ، وَصِرتَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ، حَتَّى تَنظُرَ ما يؤولُ إلَيهِ أمرُ النَّاسِ ، وَيَحكُمَ اللّهُ بَينَنا وَبَينَ القَومِ الفاسِقينَ .
فقال لَهُ الحسينُ عليه السلام : ياأخي وَاللّهِ لَو لَم يَكُنْ مَلجَأٌ ، وَلا مَأوى لَما بايَعتُ يَزيدَ بنَ مُعاوِيَة ، فَقَد قالَ النبيُّ صلى الله عليه و آله : اللّهم لا تُبارِك في يَزيدَ . فقطع محمَّد الكلام وبكى ، فبكى معه الحسين عليه السلام ساعةً ، ثمَّ قال :
ياأخي جَزاكَ اللّهُ عَنِّي خَيراً ، فَلَقَد نَصَحتَ وَأَشرتَ بالصَّوابِ ، وَأَرجوا أنْ يَكونَ رأيُك مُوفَّقاً مُسَدَّداً ، وأنا عازِمٌ عَلى الخُروجِ إلى مَكَّةَ ، وَقَد تَهيّأتُ لِذلِكَ أنا وَإخوَتي وبَنو أخي وَشِيعَتي مِمَّن أَمرُهُم أَمري وَرَأيُهم رَأيي .
وَأَمَّا أنتَ يا أَخي فَلا عَلَيكَ أنْ تُقيمَ فِي المَدِينَةِ ، فَتَكونُ لِي عَيناً عَلَيهِم ، وَلا تُخفِ علَيَّ شيئاً مِن أُمورِهم .
ثمَّ دعا الحُسينُ عليه السلام بِدَواةٍ وبَياضٍ ، وكتَبَ هذه الوَصِيَّةَ لأخيهِ مُحَمّد :
بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم
هذا ما أوصى بهِ الحُسينُ بنُ عليٍّ بنِ أبي طالِبٍ إلى أَخيهِ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ المعروف بابن الحنَفيَّةِ :
إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ ، جاءَ بالحَقِّ مِن عِندِ الحَقِّ ، وَأَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ ، وَأنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فيها ، وأنَّ اللّهَ يَبعَثُ مَن فِي القُبورِ ، إنِّي لَم أخرُج أشِرَاً ولا بَطِراً ، وَلا مُفسِداً ، وَلا ظالِماً ، وَإنَّما خَرَجتُ أطلُبُ الإصلاحَ في أُمَّةِ جَدِّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، أُريدُ أنْ آمُرَ بالمَعروفِ ، وَأنْهى عَنِ المُنكَرِ ، وَأَسِير بسِيرَةِ جَدِّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، وَسيرَةِ أبي عليِّ بنِ


مكاتيب الأئمّة
112

قال : فانتبه الحسين[ عليه السلام ] من نومه فزعاً مرعوباً فقصَّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطَّلب ، فلم يكن في ذلك اليوم في شرق ولا غرب قوم أشدَّ غمَّاً من أهل بيت رسول اللّه [ صلى الله عليه و آله ] ، ولا أكثر باكياً ولا باكية .
قال : وتهيَّأ الحسين عليه السلام وعزم على الخروج مِنَ المدينَةِ ، ومضى في جوف اللَّيل إلى قبر أُمّه فصلّى عِندَ قبرها وودَّعها ، ثُمَّ قامَ من قبرِها وصار إلى قبر أخيهِ الحَسَنِ عليه السلام ، ففعل كذلِكَ ، ثُمَّ رجَعَ إلى مَنزلِهِ في وَقتِ الصُّبحِ ، فأقبل إليهِ أخوهُ مُحمَّدُ بنُ الحَنَفيَّةِ فقال لَهُ :
يا أخي ، فَديتُكَ نفسي أنتَ أحَبُّ النَّاسِ إليَّ ، وَأعزُّهم عَلَيَّ ، وَلَستُ واللّهِ ، أدَّخِرُ النَّصيحَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الخَلقِ ، وَلَيسَ أحَدٌ أحَقَّ بها مِنكَ ، لأنَّكَ مِزاجُ مائي وَنَفسي وروحي وَبَصَري وَكَبيرُ أهلِ بَيتي ، وَمن وجَبَ طاعَتُهُ في عُنُقي ، لِأنَّ اللّهَ تبارَكَ وَتَعالى قَد شَرَّفَكَ وَجَعَلكَ مِن ساداتِ أهلِ الجَنَّةِ . إنِّي أُريدُ أن أُشيرَ عَلَيكَ فاقبَل مِنَّي .
فقال له الحسين عليه السلام : قُل يا أَخي ما بَدا لَكَ .
فقال : أُشير عَلَيكَ أن تَتَنحَّى بِنَفسِكَ عَن يَزيدِ بنِ مُعاوِيَة ، وعَنِ الأمصارِ ما استَطعتَ ، وأَن تَبعَثَ رُسلَكَ إلى النَّاسِ فَتَدعوهُم إلى بَيعَتِكَ ، فَإن بايَعَكَ النَّاسُ حَمِدتَ اللّهَ عَلى ذلِكَ وقُمتَ فيهم بِما كانَ يَقومُهُ رَسولُ اللّهِ وَالخُلفاءُ الرَّاشِدونَ المَهديُّونَ من بَعدِهِ ، حتَّى يَتوفّاكَ اللّهُ وهو عَنكَ راضٍ ، وَالمُؤمِنونَ عَنكَ راضونَ ، كما رَضوا عَن أَبيكَ وأَخيكَ ، وإن اجتَمَعَ النَّاسُ عَلى غَيرِكَ حَمِدتَ اللّهَ عَلى ذلِكَ وَسَكَتَّ وَلَزِمتَ مَنزِلَكَ ، فَإنِّي خائِفٌ عَلَيكَ أن تَدخُلَ مِصراً مِنَ الأَمصارِ ، أو تأتيَ جَماعَةً مِنَ النَّاسِ فَيَقتَتِلونَ ، فَتَكونُ طائِفَةٌ مِنهُم مَعَكَ ، وَطائِفَةٌ عَلَيكَ فَتُقتَلُ بَينَهُم .
فقال له الحسين : يا أخي فَإلى أينَ أذهَبُ؟

  • نام منبع :
    مكاتيب الأئمّة
    تعداد جلد :
    7
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1388
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 2376
صفحه از 340
پرینت  ارسال به