بالرمال وشعف الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد ، حتّى تنظر ما يصير أمر الناس إليه ، فإنّك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً .
فقال : يا أخي ، قد نصحت وأشفقت ، وأرجو أن يكون رأيك سديداً موفّقاً .
فسار الحسين عليه السلام إلى مكّة وهو يقرأ : «فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ، ولزم الطريق الأعظم ، فقال له أهل بيته : لو تَنَكَّبت الطريق الأعظم كما صنع ابن الزبير؛ لئلّا يلحقك الطلب ، فقال : لا واللَّه ، لا اُفارقه حتّى يقضي اللَّه ما هو قاض .
ولمّا دخل الحسين مكّة كان دخوله إليها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان ، دخلها وهو يقرأ : «وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ ۱عَسَى رَبِّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاءَ السَّبِيلِ» ثمّ نزلها وأقبل أهلها يختلفون إليه ، ومَن كان بها مِن المعتمرين وأهل الآفاق ، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة ، فهو قائم يصلّي عندها ويطوف ، ويأتي الحسين عليه السلام فيمن يأتيه ، فيأتيه اليومين المتواليين ، ويأتيه بين كلّ يومين مرّة ، وهو أثقل خلق اللَّه على ابن الزبير ، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين عليه السلام في البلد ، وأنّ الحسين أطوع في الناس منه وأجلّ .
وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية فأرجفوا بيزيد ، وعرفوا خبر الحسين عليه السلام وامتناعه من بيعته ، وما كان من ابن الزبير في ذلك ، وخروجهما إلى مكّة ، فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد ، فذكروا هلاك معاوية ، فحمدوا اللَّه عليه ، فقال سليمان :
إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسيناً قد تقبّض۲ على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكّة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فأعلموه ، وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغرّوا الرجل في نفسه ، قالوا : لا ، بل نقاتل