33
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

والأخلاقية والتاريخية والعمليّة، كما نلمس ذلك واضحاً في النصّ العلويّ التالي:
اِعلَموا أنَّهُ لَيسَ عَلى أحَدٍ بَعدَ القُرآنِ مِن فاقَةٍ، ولا لِأَحَدٍ قَبلَ القُرآنِ مِن غِنىً؛ فَاستَشفوهُ مِن أدوائِكُم وَاستَعينوا بِهِ عَلى لَأوائِكُم ۱ ؛ فَإِنَّ فيهِ شِفاءً مِن أكبَرِ الدّاءِ؛ وهُوَ الكُفرُ وَالنِّفاقُ، وَالغَيُّ وَالضَّلالُ؛ فَاسأَلُوا اللّهَ بِهِ، وتَوَجَّهوا إلَيهِ بِحُبِّهِ، ولا تَسأَلوا بِهِ خَلقَهُ... وَاستَدِلّوهُ عَلى رَبِّكُم، وَاستَنصِحوهُ عَلى أنفُسِكُم، وَاتَّهِموا عَلَيهِ آراءَكُم، وَاستَغِشّوا فيهِ أهواءَكُم. ۲
من البديهي أنّ المخاطب بكلام الإمام هذا هو الاُمّة الإسلامية بأجمعها، ولا يقصد الإمام أن تتخصّص الاُمّة بأكملها بعلم التفسير لكي تستفيد من عطاء القرآن وأنواره، وإنّما هدفه أن يدعو الاُمّة إلى الالتحام بكتاب اللّه واستيحاء معارفه على مستوى المعرفة الإجمالية ، بالقدر الذي يتناسب مع استعدادها الإدراكي ويتواءم مع قدرتها على الفهم.
على المدلول ذاته تلتقي جميع الآيات والروايات التي تحثّ الناس على التدبّر بالقرآن وتدعوهم للانتفاع من تعاليمه الكريمة والانغمار بأنواره، إذ هي تعني أنّ القرآن قابل للفهم من قبل هؤلاء الناس، كما هو الحال في الآية الكريمة:
«كِتَـبٌ أَنزَلْنَـهُ إِلَيْكَ مُبَـرَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَـتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَـبِ » . ۳
إضافة إلى هذا، فقد سلفت الإشارة إلى أنّ إعجاز القرآن ـ الذي ما لبث هذا الكتاب الإلهي يتحدّى به الآخرين ـ إنّما يدلّ على أنّ ما ينطوي عليه هذا الكتاب المبين من عمق وما يحظى به من جمال لفظ وحلاوة معنى ، إنّما هو قابل للفهم من

1.نهج البلاغة: الخطبة ۱۷۶ ، بحار الأنوار: ج ۹۲ ص ۲۴ ح ۲۴ .

2.اللأْواء: المشقّة والشدّة (لسان العرب: ج ۱۵ ص ۲۳۸ «لأي») .

3.ص : ۲۹ وراجع: النساء: ۸۲ والمؤمنون: ۶۸ ومحمّد: ۲۴ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
32

۴ . معرفة حقائق القرآن.
يتحدّث الإمام الصادق عليه السلام ، عن هذه المراحل المعرفية الأربع للقرآن، بقوله:
كِتابُ اللّهِ عَلى أربَعَةِ أشياءَ: عَلَى العِبارَةِ، وَالإِشارَةِ، وَاللَّطائِفِ، وَالحَقائِقِ؛ فَالعِبارَةُ لِلعَوامِّ، وَالإِشارَةُ لِلخَواصِّ، وَاللَّطائِفُ لِلأَولِياءِ، وَالحَقائِقُ لِلأَنبِياءِ. ۱
فيما يلي نقدّم إشارات إيضاحية عن كلّ واحدة من هذه المراتب:

المرحلة الاُولى : المعرفة الإجماليّة

المرحلة الاُولى من مراحل المعرفة القرآنية تتمثّل بالمعرفة الإجمالية بمعارف هذا الكتاب الإلهي المنقذ؛ وهذه المرحلة ممكنة لكلّ من له معرفة بآداب اللغة العربية، على ما دلّت عليه الرواية ذاتها من القول: «فَالعِبارَةُ لِلعَوامِّ».
معنى ذلك ، أنّ كلّ من له دراية باللغة العربية على النحو الذي تؤهّله لفهم عبارات القرآن ونصوصه ، فله حظّ من إشعاعات هذا الكتاب المبين وأنواره، يتناسب مع قدراته الإدراكية تلك، على ما نصّ عليه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، بقوله:
ما جالَسَ هذَا القُرآنَ أحَدٌ إلاّ قامَ عَنهُ بِزِيادَةٍ أو نُقصانٍ: زِيادَةٍ في هُدىً، أو نُقصانٍ في عَمىً. ۲
الحقيقة أنّ كلّ الروايات التي تحثّ الناس على تعلّم القرآن وتدعوهم للانتفاع به، إنّما تركّز على وجوب المرحلة الاُولى من مراحل معرفة القرآن المتمثّلة بالمعرفة الإجمالية ، وتدفع المسلمين كافّة لاستمداد معارفه الوضّاءة في المجالات العقيدية

1.الدرّة الباهرة: ص ۳۱ ، نزهة الناظر : ص ۱۱۰ ح ۳۱ ، جامع الأخبار : ص ۱۱۶ ح ۲۱۱ عن الإمام الحسين عليه السلام ، أعلام الدين : ص ۳۰۳ ، بحار الأنوار: ج ۹۲ ص ۱۰۳ ح ۸۱ .

2.نهج البلاغة: الخطبة ۱۷۶ ، بحار الأنوار: ج ۹۲ ص ۲۴ ح ۲۴ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5028
صفحه از 508
پرینت  ارسال به