25
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

۳ . عدم ظهور ألفاظ القرآن

إنّ وجود عوامل من قبيل التقييد والتخصيص والتجوّز في أكثر ظواهر القرآن؛ أدّى إلى انعدام ظهورها. ومن ثَمَّ فإنّ ما يبدو ظاهراً من معاني القرآن ما هو إلاّ تعبير عن ظهورٍ بَدَوي، لا يلبث أن يزول بعد التأمّل. وفي الحصيلة ستغدو العودة إلى أهل البيت عليهم السلام ضرورية لفهم المعاني القرآنية.

نقد الدليل الأوّل: حرمة التفسير بالرأي

الدليل الأوّل الذي يتمسّك به الأخباريون، يتمثّل بحرمة التفسير بالرأي في الإسلام. ولا ريب في أنّ التفسير بالرأي لا يجوز ، وفاقاً للروايات التي تمّ الإشارة إليها فيما سلف. ولكنَّ حرمة التفسير بالرأي لا تثبت مدّعى القوم، لما يلي:
أولاً: إنّ حمل اللفظ على معناه الواضح، لا يعدّ تفسيراً؛ لأنّ معنى التفسير هو بيان المعنى غير الواضح والكشف عنه ۱ ، وبتعبير المحقّق الأنصاري: التفسير هو عبارة عن «كشف القناع» ۲
. وبالنتيجة لا يعدّ حمل اللفظ على معناه الظاهر، كشفاً لأمر مستور.
ثانياً: حتّى لو سُمّي حمل اللفظ على معناه الظاهر تفسيراً، فإنّ هذه الممارسة لا تدخل في مجال التفسير بالرأي؛ لأنّ إبداء الرأي يصدق في المواضع التي ليس معنى الآية فيها واضحاً ، فعندئذ يقول المفسّر: «هذا هو المقصود ، بحسب رأيي»، أمّا في المواضع التي فيها المعنى اللغوي والعرفي واضح ؛ فإنّ المفسّر لا يأتي بالرأي من عنده، ولا موضوع لرأيه أو نظره الخاصّ لكي يقحمه على القرآن ويحمله عليه.

1.الفَسْر : الإبانة ، وكشف المغَطّى ، كالتفسير ، والفِعلُ كضَرَب ونَصَر (القاموس المحيط : ج ۲ ص ۱۱۰ «فسر») .

2.فرائد الاُصول: ج ۱ ص ۵۷ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
24

قالَ: أخبِرني عَن قَولِ اللّهِ عز و جل في سَبَاً «وَ قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَ أَيَّامًا ءَامِنِينَ » . ۱
فَقالَ قَتادَةُ: ذلِكَ مَن خَرَجَ مِن بَيتِهِ بِزادٍ حَلالٍ وراحِلَةٍ وكِراءٍ حَلالٍ يُريدُ هذَا البَيتَ كانَ آمِناً، حَتّى يَرجِعَ إلى أهلِهِ.
فَقالَ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : نَشَدتُكَ اللّهَ يا قَتادَةُ، هَل تَعلَمُ أنَّهُ قَد يَخرُجُ الرَّجُلُ مِن بَيتِهِ بِزادٍ حَلالٍ وراحِلَةٍ وكِراءٍ حَلالٍ يُريدُ هذَا البَيتَ، فَيُقطَعُ عَلَيهِ الطَّريقُ فَتَذهَبُ نَفَقَتُهُ، ويُضرَبُ مَعَ ذلِكَ ضَربَةً فيهَا اجتِياحُهُ ؟ ۲
قالَ قَتادَةُ: اللّهُمَّ، نَعَم.
فَقالَ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : وَيحَكَ يا قَتادَةُ ! إن كُنتَ إنَّما فَسَّرتَ القُرآنَ مِن تِلقاءِ نَفسِكَ فَقَد هَلَكتَ وأَهلَكتَ، وإن كُنتَ قَد أخَذتَهُ مِن الرِّجالِ فَقَد هَلَكتَ وأهلَكتَ. وَيحَكَ يا قَتادَةُ! ذلِكَ مَن خَرَجَ مِن بَيتِهِ بِزادٍ وراحِلَةٍ وكِراءٍ حَلالٍ يَرومُ هذَا البَيتَ عارِفاً بِحَقِّنا يَهوانا قَلبُهُ، كَما قالَ اللّهُ عز و جل : «فَاجْعَلْ أَفْـئدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ» ۳ ولَم يَعنِ البيت فَيقولُ: إلَيهِ؛ فَنَحنُ وَاللّهِ دَعوَةُ إبراهيمَ عليه السلام الَّتي مَن هَوانا قَلبُهُ قُبِلَت حَجَّتُهُ وإلاّ فَلا. يا قَتادَةُ، فَإِذا كانَ كَذلِكَ كانَ آمِناً مِن عَذابِ جَهَنَّمَ يَومَ القِيامَةِ.
قالَ قَتادَةُ: لا جَرَمَ ۴ ، وَاللّهِ لا فَسَّرتُها إِلاّ هكَذا.
فَقالَ أبو جَعفَرٍ عليه السلام : وَيحَكَ يا قَتادَةُ! إنَّما يَعرِفُ القُرآنَ مَن خوطِبَ بِهِ. ۵

1.سبأ : ۱۸ .

2.الجَوحُ : الإهلاك والاستئصال ، كالإجاحة والاجتياح (القاموس المحيط: ج ۱ ص ۲۱۹ «جوح») .

3.إبراهيم : ۳۷.

4.لا جَرَمَ : هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة «لابدّ» و «لامحالة» ، فجرت على ذلك وكثُرت حتّى تحوّلت إلى معنى القَسَم وصارت بمنزلة «حقّا» (الصحاح : ج ۵ ص ۱۸۸۶ «جرم») .

5.الكافي: ج ۸ ص ۳۱۱ ح ۴۸۵ ، بحار الأنوار: ج ۲۴ ص ۲۳۷ ح ۶ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4759
صفحه از 508
پرینت  ارسال به