167
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

وتنبّأ به إذ ابتُلي هؤلاء بالاستئثار، ونزل بالإسلام والمسلمين ما نزل بهما في وقائع التاريخ الفجيع !

۵ . تقويم أحاديث الصبر على الاستئثار

تضمّن الفصل الرابع من هذا القسم أحاديث أخبر فيها النبيّ صلى الله عليه و آله عن وقوع آفة الاستئثار وظهورها في الاُمّة الإسلامية، وقد نَسبت هذه الأحاديث إلى النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه أمر الناس أن يصبروا لما يصيبهم من أثَرَة الاُمراء وأنّه لا يحقّ لهم الاعتراض على استبداد هؤلاء الحكّام وأثَرتهم، وإنّما عليهم الإذعان والصبر حتّى يوم القيامة!
ما توفّرنا على ذكره في هذا الفصل لا يزيد على أنّه نموذج لهذا النمط من الروايات فحسب، ومن يروم الاطّلاع على كلّ ما جاء بهذا الشأن فبمقدوره أن يراجعها في المصادر التي أشرنا إليها في الهوامش.
إنّ عملية تحليل هذه الأحاديث ونقدها وتقويمها تتطلّب المكوث عند نقاط كثيرة جديرة بالبحث والتأمّل، الأمر الذي يجعل عملية التقويم الكامل والاستيفاء النقدي الشامل لهذه الأحاديث رهنا بفرصة سانحة لا مجال لها هنا ۱ ، وإنّما نكتفي هنا بالإشارة إلى عدد من النقاط المهمّة نذكرها كما يلي:

أ ـ فصل الدين عن السياسة

ممّا لا ريب فيه أنّ مقتضى الإذعان إلى الأحاديث التي تأمر المسلمين بالصبر على أثرة الحكّام والتسليم لظلمهم والانقياد لما يبرز منهم من استغلال وتغييب للعدالة، هو فصل الدين عن السياسة ، لهذا تجد أنّ المحدّثين والفقهاء والذين آمنوا بهذه الأحاديث أفتوا بعدم جواز خروج المسلمين على حكّامهم مهما بلغ هؤلاء

1.راجع : القيادة في الإسلام : ص ۱۳۳ (الفصل الثالث : مؤامرتان خطرتان).


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
166

۴ . مواجهة الاستئثار

لقد بذل رسول اللّه صلى الله عليه و آله في عهد نبوّته والإمام عليّ عليه السلام إبّان حُكمه، قصارى جهودهما للحؤول دون بروز الاستئثار والفردية والاستبداد بين قادة النظام الإسلامي الجديد، وبذلا ما بوسعهما لوأد هذه الخصلة الخطيرة المدمّرة، حتى بلغ من حرص نبيّ اللّه صلى الله عليه و آله على محاصرة هذه الآفة الخطيرة، أنّه كان يتحرّز من كلّ ما يمتّ إليها بصلة وينأى بنفسه عن أدنى تصرّف يمكن أن تفوح منه رائحة هذه الخصلة الذميمة، بحيث لم يكن يسمح لأحد أن يتصرّف بطريقة يقدّمه على نفسه في شيء.
من الأمثلة البليغة الدالّة على سعي النبيّ لمكافحة هذه الآفة واجتثاث أدنى ما يمكن أن يمتّ إليها بصلة، رفض النبيّ صلى الله عليه و آله أن يتناول من رجل شسعا من نعله قدّمه إليه ، بعد أن انقطع شِسْعُهُ صلى الله عليه و آله وهو يطوف بالبيت، قائلاً في جوابه:
هذه أثَرَة، ولا أقبل أثَرَةً. ۱
عندما ننتقل إلى حياة أهل بيت رسول اللّه ـ صلوات اللّه عليه وعليهم ـ ، نجدها تتألّق بسيرة لا ترفض الاستئثار والفردية وتصرّ على اجتنابهما فحسب، بل تسجّل إيثارهم بحقوقهم الخاصّة أيضا.
من هنا يبدو أنّ دراسة السيرة العملية لهؤلاء الكرام والتعرّف عليها في مجال مكافحة الاستئثار وإيثار الآخرين مهمّة تربوية عاجلة حافلة بالعظات والعبر خاصّة للقادة والحاكمين.
لكن وا أسفاه! فقد تنكّب قادة الاُمّة الإسلامية عن هذا الصراط السويّ ولم يتّبعوا سيرة هؤلاء الكرام ولم يقتفوا منهاجهم، فكان المآل كما أخبر النبيّ صلى الله عليه و آله

1.راجع: ح ۱۰۳.

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4832
صفحه از 508
پرینت  ارسال به