165
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل

هذا التعليل هو الذي يفسّر مآلات التيارات المادّية ومصيرها، فمهما كانت العناوين التي ترفعها هذه التيارات والشعارات التي تلوّح بها في مضمار تأمين الحرّيات وضمان حقوق الناس، فإنّ المصير الذي تنتهي إليه عند تسلّم السلطة هو الاستئثار والفردية.
على ضوء هذه الحصيلة يمكن القول بأنّ جميع ضروب الاستئثار والفردية التي برزت في التاريخ الإسلامي ممّا كان النبيّ صلى الله عليه و آله قد تنبّأ به وأخبر عن وقوعه؛ قد اكتسبت في مضمونها هوية مادّية ومنحىً مناهضا للدين، برغم شعاراتها الدينية وتواريها خلف اسم الدين.

۳ . خطر الاستئثار

يعدّ الاستئثار من أخطر الخصال التي تفتك بالقيم وتدمّرها، فتبعاته المخرّبة لا تقتصر على انحطاط الأخلاق فحسب، بل تجرّ إلى الفساد الاجتماعي والسياسي ، وبالتالي سقوط الدول وانهيار الحكومات. نقرأ في الحِكَم المنسوبة للإمام عليّ عليه السلام :
الاِستِئثارُ يوجِبُ الحَسَدَ ، وَالحَسَدُ يوجِبُ البِغضَةَ ، والبِغضَةُ توجِبُ الاِختِلافَ ، وَالاِختِلافُ يوجِبُ الفُرقَةَ، وَالفُرقَةُ توجِبُ الضَّعفَ، وَالضَّعفُ يوجِبُ الذُّلَّ ، وَالذُّلُّ يوجِبُ زَوالَ الدَّولَةِ وذَهابَ النِّعمَةِ . ۱
تنتهي عملية دراسة تاريخ الإسلام وتحليله على نحو دقيق، وكذلك تقصّي علل انحطاط الاُمّة الإسلامية وعوامل اُفول نجمها إلى أنّ استئثار عدد من الحكّام وأثَرتهم وفرديتهم، أدّى إلى إلحاق أضرار ماحقة بحركة هذا الدين وقلّصت من نفوذه وامتداده.

1.راجع : ح ۹۶.


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
164

على النوع الثاني منه الذي يعني اختصاص النفس والقرابة المقترن بالتجاوز على حقوق الآخرين، على هذا الضوء يتركّز ما سنذكره عن الاستئثار فيما بعد، على الاستئثار المذموم ، وبخاصّة القسم الثاني منه.

۲ . أسباب الاستئثار

تنتهي عملية تحليل ظاهرة الاستئثار وتقصّي جذورها ومعرفة مناشئها بالرُّسوّ على عدد من الأسباب، تقف تماما في الجهة المقابلة للإيثار. وهذه الأسباب، هي:
أ ـ الاستخفاف بحقوق الناس.
ب ـ الاستخفاف بمكارم الأخلاق.
ج ـ الابتلاء بالحرص والبخل والشحّ.
بيد أنّ هذا القدر في تحليل مناشئ الظاهرة وأسبابها لا يعدّ كافيا، تماما كما سبق أن ذكرنا ذلك في تحليل مناشئ الإيثار، إذ ينبغي للتحليل أن يتوغّل أكثر ليكشف هذه المرّة عن مناشئ الحرص ولماذا يميل الإنسان إلى عدم الاهتمام بحقوق الناس، والاستخفاف بمكارم الأخلاق ؟
إنّ الأصل العميق الذي ترجع إليه جذور ظاهرة الاستئثار وأسبابه، يتمثّل بالأنانية وغياب الإيمان أو ضعفه، فإذا عجز الإيمان عن استيعاب الغرور والأنانية الذاتية عند الإنسان ولم ينجح بهضمها وتوجيهها ، فمن الطبيعي أن يتمخّض ذلك عن إنسان أناني مغرور، لا يعيش إلاّ ذاته ولا يفكّر سوى بالاستحواذ على كلّ شيء والانفراد به لنفسه وذويه وقرابته ومن يرتبط به، وبتعبير الإمام عليّ عليه السلام :
مَن مَلَكَ استَأثَرَ. ۱

1.نهج البلاغة: الحكمة ۱۶۰ ، الأمالي للمفيد : ص ۱۸۹ ح ۱۵ ، الأمالي للطوسي : ص ۲۲۹ ح ۴۰۴ كلاهما عن رفاعة بن موسى عن الإمام الصادق عليه السلام ، بحار الأنوار: ج ۱۳ ص ۳۵۷ ح ۶۲ ؛ شُعب الإيمان: ج ۲ ص ۳۱۱ ح ۱۹۱۰ عن أبي وائل عن الإمام عليّ عليه السلام وراجع تحف العقول : ص ۸ والمعجم الكبير: ج ۵ ص ۲۴ ح ۴۴۷۷.

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الأوّل
    سایر پدیدآورندگان :
    عدّة من الفضلاء
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4838
صفحه از 508
پرینت  ارسال به