271
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الخامس

قالَ الصّادِقُ عليه السلام : مَن زَعَمَ أنَّهُ يَعرِفُ اللّهَ بِتَوَهُّمِ القُلوبِ فَهُوَ مُشرِكٌ ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعرِفُ اللّهَ بِالاِسمِ دونَ المَعنى فَقَد أقَرَّ بِالطَّعنِ ، لِأَنَّ الاِسمَ مُحدَثٌ ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعبُدُ الاِسمَ وَالمَعنى فَقَد جَعَلَ مَعَ اللّهِ شَريكا ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعبُدُ المَعنى بِالصِّفَةِ لا بِالإِدراكِ فَقَد أحالَ عَلى غائِبٍ ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعبُدُ الصِّفَةَ وَالمَوصوفَ فَقَد أبطَلَ التَّوحيدَ ، لِأَنَّ الصِّفَةَ غَيرُ المَوصوفِ ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ يُضيفُ المَوصوفَ إلَى الصِّفَةِ فَقَد صَغَّرَ بِالكَبيرِ ، وما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدرِهِ .
قيلَ لَهُ : فَكَيفَ سَبيلُ التَّوحيدِ ؟ قالَ عليه السلام : بابُ البَحثِ مُمكِنٌ ، وطَلَبُ المَخرَجِ مَوجودٌ ، إنَّ مَعرِفَةَ عَينِ الشّاهِدِ قَبلَ صِفَتِهِ ، ومَعرِفَةَ صِفَةِ الغائِبِ قَبلَ عَينِهِ ، قيلَ : وكَيفَ نَعرِفُ عَينَ الشّاهِدِ قَبلَ صِفَتِهِ ؟
قالَ عليه السلام : تَعرِفُهُ وتَعلَمُ عِلمَهُ وتَعرِفُ نَفسَكَ بِهِ ، ولا تَعرِفُ نَفسَكَ بِنَفسِكَ مِن نَفسِكَ ، وتَعلَمُ أنَّ ما فيهِ لَهُ وبِهِ ، كَما قالوا لِيوسُفَ : «أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هَـذَا أَخِى» ۱ فَعَرَفوهُ بِهِ ولَم يَعرِفوهُ بِغَيرِهِ ، ولا أثبَتوهُ مِن أنفُسِهِم بِتَوَهُّمِ القُلوبِ ، أما تَرَى اللّهَ يَقولُ : «مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنـبِتُواْ شَجَرَهَا» ۲ يَقولُ : لَيسَ لَكُم أن تَنصِبوا إماما مِن قِبَلِ أنفُسِكُم ، تُسَمّونَهُ مُحِقّا بِهَوى أنفُسِكُم وإرادَتِكُم ...

أ ـ صِفَةُ الإِيمانِ

قالَ عليه السلام : مَعنى صِفَةِ الإِيمانِ ، الإِقرارُ وَالخُضوعُ للّهِِ بِذُلِّ الإِقرارِ وَالتَّقَرُّبُ إلَيهِ بِهِ ، وَالأَداءُ لَهُ بِعِلمِ كُلِّ مَفروضٍ مِن صَغيرٍ أو كَبيرٍ ، مِن حَدِّ التَّوحيدِ فَما دونَهُ إلى

1.يوسف : ۹۰ .

2.النمل : ۶۰ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الخامس
270

النَّمَطُ ۱ الأَعلى ، شَرِبوا مِنَ العَذبِ الفُراتِ ، وعَلِموا تَأويلَ الكِتابِ وفَصلَ الخِطابِ وسَبَبَ الأَسبابِ ، فَهُمُ النَّمَطُ الأَعلى ، الفَقرُ وَالفاقَةُ وأنواعُ البَلاءِ أسرَعُ إلَيهِم مِن رَكضِ الخَيلِ ، مَسَّتهُمُ البَأساءُ وَالضَّرّاءُ وزُلزِلوا وفُتِنوا ، فَمِن بَينِ مَجروحٍ ومَذبوحٍ ، مُتَفَرِّقينَ في كُلِّ بِلادٍ قاصِيَةٍ ، بِهِم يَشفِي اللّهُ السَّقيمَ ويُغنِي العَديمَ ، وبِهِم تُنصَرونَ ، وبِهِم تُمطَرونَ ، وبِهِم تُرزَقونَ ، وهُمُ الأَقَلّونَ عَدَدا ، الأَعظَمونَ عِندَ اللّهِ قَدرا وخَطَرا .
وَالطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ النَّمَطُ الأَسفَلُ ، أحَبّونا فِي العَلانِيَةِ وساروا بِسيرَةِ المُلوكِ ، فَأَلسِنَتُهُم مَعَنا وسُيوفُهُم عَلَينا .
وَالطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ النَّمَطُ الأَوسَطُ ، أحَبّونا فِي السِّرِّ ولَم يُحِبّونا فِي العَلانِيَةِ ، ولَعَمري لَئِن كانوا أحَبّونا فِي السِّرِّ دونَ العَلانِيَةِ ، فَهُمُ الصَّوّامونَ بِالنَّهارِ ، القَوّامونَ بِاللَّيلِ ، تَرى أثَرَ الرَّهبانِيَّةِ في وُجوهِهِم ، أهلُ سِلمٍ وَانقِيادٍ .
قالَ الرَّجُلُ : فَأَنَا مِن مُحِبّيكُم فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ .
قالَ جَعفَرٌ عليه السلام : إنَّ لِمُحِبّينا فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ عَلاماتٍ يُعرَفونَ بِها . قالَ الرَّجُلُ : وما تِلكَ العَلاماتُ ؟
قالَ عليه السلام : تِلكَ خِلالٌ أوَّلُها أنَّهُم عَرَفُوا التَّوحيدَ حَقَّ مَعرِفَتِهِ ، وأحكَموا عِلمَ تَوحيدِهِ ، وَالإِيمانُ بَعدَ ذلِكَ بِما هُوَ وما صِفَتُهُ . ثُمَّ عَلِموا حُدودَ الإِيمانِ وحَقائِقَهُ وشُروطَهُ وتَأويلَهُ . قالَ سَديرٌ : يَابنَ رَسولِ اللّهِ ما سَمِعتُكَ تَصِفُ الإِيمانَ بِهذِهِ الصِّفَةِ .
قالَ : نَعَم يا سَديرُ ، لَيسَ لِلسّائِلِ أن يَسأَلَ عَنِ الإِيمانِ ما هُوَ حَتّى يَعلَمَ الإِيمانَ بِمَن ؟ قالَ سَديرٌ : يَابنَ رَسولِ اللّهِ ، إن رَأَيتَ أن تُفَسِّرَ ما قُلتَ ؟

1.النَّمَطُ : الصنف والنوع (المصباح المنير : ص ۶۲۶ «نمط») .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الخامس
    سایر پدیدآورندگان :
    عبدالهادي مسعودي، رسول افقي، سيد محمّد كاظم الطّباطبائي
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1386
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4721
صفحه از 535
پرینت  ارسال به