255
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّالث

والأحاديث في تبيين حديث معرفة النفس قد غُفِلَ عنه تماما ، ولم يذكر في عداد الشروح الملحوظة ، حتّى بوصفه معنىً كسائر المعاني ـ الّتي فُرض بعضها على الحديث الشريف ، ولو أنّ علماء المسلمين أخذوا برسالة القرآن في معرفة النفس لفاقوا جميع علماء العالم في العلوم المرتبطة بعلم معرفة الإنسان .

خامسا : مراتب معرفة النفس

لا شكّ في أنّ لمعرفة النفس مراتب متعددة كمعرفة اللّه ، لذا نقرأ في الحديث العَلَويّ قوله عليه السلام :
أعرَفُكُم بِنَفسِهِ أعرَفُكُم بِرَبِّهِ . ۱
إنّ أدنى المراتب في معرفة النفس ميسّرة لعامّة الناس ، بيد أنّه كلّما ازدادت معرفة الإنسان بنفسه ، ازدادت معرفته باللّه سبحانه ، إلى أن يظفر بالمعرفة الشهوديّة للنّفس ، وهناك يفوز بالمعرفة الشهوديّة للحقّ تعالى ، ويشهد وحدانيّته إلى جانب الملائكة واُولي العلم:
«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ» . ۲
ولا يتيسّر بلوغ هذه المرتبة من المعرفة إلاّ عن طريق الرياضات وجهاد النفس ، وسيأتي الحديث عنها في الفصل السادس .

1.راجع : ص ۲۴۲ ح ۲۴۸۱ .

2.آل عمران : ۱۸ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّالث
254

وتأمين الأطعمة المطلوبة... إلخ ؛ وقد فُصّلت في الباب الثاني ، وهي من أيسر السبل إلى معرفة اللّه ۱ ، وقد أوجز الإمام الصادق عليه السلام ـ في تبيين هذا الطريق ـ آيات الحكمة وآثار الصنع في وجود الإنسان بقوله:
وَالعَجَبُ مِن مَخلوقٍ يَزعُمُ أَنَّ اللّهَ يَخفى عَلى عِبادِهِ وهُوَ يَرى أَثَرَ الصُّنعِ في نَفسِهِ؛ بِتَركيبٍ يُبهِرُ عَقلَهُ ، وتَأليفٍ يُبطِلُ حُجَّتَهُ . ۲
وقوله عليه السلام في بيان الآية ۵۳ من سورة فصّلت : «وَ فِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» :
إنَّهُ خَلَقَكَ سَميعا بَصيرا ، تَغضَبُ وتَرضى ، وتَجوعُ وتَشبَعُ ، وذلِكَ كُلُّهُ مِن آياتِ اللّهِ . ۳
من اللافت للنظر أنّ هشام بن الحكم ـ وهو من تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام وأصحابه المتكلّمين ـ استنبط نفس المعنى من الآيات والأحاديث الواردة في معرفة النفس ، فقد قال في صدد معرفة اللّه عن طريق معرفة النفس:
عَرَفتُ اللّهَ ـ جَلَّ جَلالُهُ ـ بِنَفسي لأَِنَّها أقرَبُ الأَشياءِ إِلَيَّ ، وذلِكَ أنّي أجِدُها أبعاضا مُجتَمِعَةً ، وأجزاءً مُؤتَلِفَةً ... ۴ .
ويشير في الختام إلى أنّ القصد من قوله تعالى: «وَ فِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» هو هذا المعنى نفسه .
لكنّنا نأسف شديد الأسف على أنّ المعنى الواضح الّذي أكّده القرآن الكريم

1.راجع : موسوعة العقائد الإسلاميّة : ج ۳ ص ۱۲۹ (دور معرفة الخلق في معرفة الخالق / خلق الإنسان) .

2.بحار الأنوار : ج ۳ ص ۱۵۲ عن المفضّل بن عمر .

3.راجع : ص ۲۴۱ ح ۲۴۷۷ .

4.راجع : ص ۲۴۲ ح ۲۴۷۸ .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّالث
    سایر پدیدآورندگان :
    سيد محمّد كاظم الطّباطبائي، رضا برنجكار، محمّد تقي سبحاني نيا،
    تعداد جلد :
    6
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1385
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 4215
صفحه از 496
پرینت  ارسال به