411
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی

وإن شِئتَ ثَلَّثتُ بِداودَ صلى الله عليه و سلم صاحِبِ المَزاميرِ وقارِئِ أهلِ الجَنَّةِ ، فَلَقَد كانَ يَعمَلُ سَفائِفَ الخوصِ ۱ بِيَدِهِ ، ويَقولُ لِجُلَسائِهِ : أيُّكُم يَكفيني بَيعَها! ويَأكُلُ قُرصَ الشَّعيرِ مِن ثَمَنِها .
وإن شِئتَ قُلتُ في عيسىَ بنِ مَريَمَ عليه السلام ، فَلَقَد كانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ ، ويَلبَسُ الخَشِنَ ، ويَأكُلُ الجَشِبَ ۲ . وكانَ إدامُهُ الجوعَ ، وسِراجُهُ بِاللَّيلِ القَمَرَ ، وظِلالُهُ فِي الشِّتاءِ مَشارِقَ الأَرضِ ومَغارِبَها ، وفاكِهَتُهُ ورَيحانُهُ ما تُنبِتُ الأَرضُ لِلبَهائِمِ . ولَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ ، ولا وَلَدٌ يَحزُنُهُ ، ولا مالٌ يَلفِتُهُ ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ . دابَّتُهُ رِجلاهُ ، وخادِمُهُ يَداهُ!
فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطيَبِ الأَطهَرِ صلى الله عليه و آله ، فَإِنَّ فيهِ اُسوَةً لِمَن تَأَسّى ، وعَزاءً لِمَن تَعَزّى ، وأحَبُّ العِبادِ إلَى اللّهِ المُتَأَسّي بِنَبِيِّهِ ، وَالمُقتَصُّ لِأَثَرِهِ . قَضَمَ الدُّنيا قَضما ۳ ، ولَم يُعِرها طَرفا . أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحا ۴ ، وأخمَصُهُم مِنَ الدُّنيا بَطنا . عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللّهَ سُبحانَهُ أبغَضَ شَيئا فَأَبغَضَهُ ، وحَقَّرَ شَيئا فَحَقَّرَهُ ، وصَغَّرَ شَيئا فَصَغَّرَهُ . ولَو لَم يَكُن فينا إلاَّ حُبُّنا ما أبغَضَ اللّهُ ورَسولُهُ ، وتَعظيمُنا ما صَغَّرَ اللّهُ ورَسولُهُ ، لَكَفى بِهِ شِقاقا للّهِِ ، ومُحادَّةً ۵ عَن أمرِ اللّهِ .
ولَقَد كانَ صلى الله عليه و آله يَأكُلُ عَلَى الأَرضِ ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ ، ويَخصِفُ بِيَدِهِ نَعلَهُ ،

1.سَفَّ الخوصَ : نَسَجَه (القاموس المحيط : ج ۳ ص ۱۵۲ «سفيف») .

2.الجَشِب : هو الغليظ الخشن من الطعام. وقيل : غير المأدوم. وكلّ بشع الطعم جَشْب (النهاية : ج ۱ ص ۲۷۲ «جشب»).

3.قَضَم الدنيا : تناول منها قدْر الكفاف وما تدعو إليه الضرورة من خشِن العيشة ... وأصل القَضم : أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان (شرح نهج البلاغة : ج ۹ ص ۲۳۳) .

4.الكَشْح : الخاصِرة . ورجُلٌ أهضَم بَيِّن الهَضم : إذا كان خميصا لقلّة الأكل (شرح نهج البلاغة : ج ۹ ص ۲۳۴) .

5.المُحادَّة : المعاداة والمخالفة (لسان العرب : ج ۳ ص ۱۴۰ «حدد») .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
410

فَقالَ الرَّسولُ صلى الله عليه و آله : وَيحَكَ يا ثَعلَبَةُ ، اِذهَب وَاقنَع بِما عِندَكَ ، فَإِنَّ الشّاكِرَ أحسَنُ مِمَّن لَهُ مالٌ كَثيرٌ لا يَشكُرُهُ .
فَذَهَبَ ، ورَجَعَ بَعدَ أيّامٍ وقالَ : يا رَسولَ اللّهِ ، ادعُ اللّهَ تَعالى أن يُعطِيَني مالاً .
فَقالَ الرَّسولُ صلى الله عليه و آله : ألَيسَ لَكَ بي اُسوَةٌ! فَإِنّي ـ بِعِزَّةِ عَرشِ اللّهِ ـ لَو شِئتُ لَصارَت جِبالُ الأَرضِ لي ذَهَبا وفِضَّةً !
فَذَهَبَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ : يا رَسولَ اللّهِ ، سَلِ اللّهَ تَعالى أن يُعطِيَني مالاً ، فَإِنّي اُؤَدّي حَقَّ اللّهِ ، واُؤَدّي حُقوقا ، وأصِلُ بِهِ الرَّحِمَ .
فَقالَ الرَّسولُ صلى الله عليه و آله : اللّهُمَّ أعطِ ثَعلَبَةَ . ۱

۱۶۶۷.الإمام عليّ عليه السلامـ في خُطبَةٍ لَهُ ـ: ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله كافٍ لَكَ فِي الاُسوَةِ ، ودَليلٌ لَكَ عَلى ذَمِّ الدُّنيا وعَيبِها ، وكَثرَةِ مَخازيها ومَساويها ؛ إذ قُبِضَت عَنهُ أطرافُها ، ووُطِّئَت لِغَيرِهِ أكنافُها ۲ ، وفُطِمَ عَن رَضاعِها ، وزُوِيَ ۳ عَن زَخارِفِها .
وإن شِئتَ ثَنَّيتُ بِموسى كَليمِ اللّهِ صلى الله عليه و سلم حَيثُ يَقولُ : «رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» ۴ ، وَاللّهِ ! ما سَأَلَهُ إلاّ خُبزا يَأكُلُهُ ؛ لِأَنَّهُ كانَ يَأكُلُ بَقلَةَ الأَرضِ ، ولَقَد كانَت خُضرَةُ البَقلِ تُرى مِن شَفيفِ ۵ صِفاقِ ۶ بَطنِهِ ؛ لِهُزالِهِ وتَشَذُّبِ ۷ لَحمِهِ .

1.مستدرك الوسائل : ج ۱۳ ص ۲۵۶ ح ۱۵۲۸۹ نقلاً عن أبي الفتوح الرازي في تفسيره .

2.الكَنَف : الجانب والناحية (النهاية : ج ۴ ص ۲۰۵ «كنف») .

3.زَوَيت الشيء عن فلان : أي نَحَّيته (لسان العرب : ج ۱۴ ص ۳۶۴ «زوى») .

4.القصص : ۲۴.

5.ثوبٌ شَفيف : أي رقيق . شَفَّ يَشِفُّ شُفوفا فهو شِفٌّ : وهو الذي يُستَشَفّ ما وراءَه؛ أي يُبصَر (المصباح المنير : ص ۳۱۷ «شفف») .

6.الصِّفاق : الجِلد الأسفل تحتَ الجِلد الذي عليه الشَّعَر . أو جلد البطنِ كلِّه (القاموس المحيط : ج ۳ ص ۲۵۴ «صفق») .

7.يقال : شُذِّبَ عن النخلة جريدُها ؛ أي قُطّع وفُرِّق (انظر النهاية : ج ۲ ص ۴۵۳ «شذب») .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    عبدالهادي مسعودي، سيد رسول موسوي، سيد رضا حسيني، عبّاس پسنديده، غلامحسين مجيدي،
    تعداد جلد :
    5
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5573
صفحه از 516
پرینت  ارسال به