109
موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی

حسب الرغبة برؤيا اُخرى، أو حذفها بشكلٍ تامّ !
ولتوضيح هذا المطلب نقول : إنّ كلّ من اطّلع على تاريخ الإسلام ، يعلم أنّ الحزب الاُمويّ كان مخالفا للإسلام منذ فجره الأوّل ، ولم يتوافق في أيّ وقت مع هذا النظام الإلهيّ ، ومع أنّه لم يستطع أن يعلن مخالفته حينما قوي أمر الإسلام ، لكنّه أضمر العداء وأسرّ الكفر ، فوقف في أوّل فرصة سانحة بوجه النظام الإسلاميّ الأصيل بقيادة إمام المتّقين وأمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، فأصبح مانعا أمام سموّ هذا النظام الإلهيّ وتألُّقهِ ؛ ذلك لأنّه وجد أسباب القوّة ، كالمقام والمال والأعوان، قال أمير المؤمنين عليه السلام :
«ما أسلَموا ولكِنِ استَسلَموا ، وأسَرُّوا الكُفرَ ، فَلَمّا وَجَدوا أعوانا عَلَيهِ أظهَروهُ». ۱
ولدينا شاهد تأريخيّ يرويه المغيرة بن شعبة ، وهو صديق حميم لمعاوية ، يتحدّث فيه عن اجتماعٍ خاصّ وسرّي بمعاوية ، وهو يعكس مدى مخالفة معاوية للأذان ، وعدائه لشعار الإسلام العباديّ السياسيّ ، وفيما يلي نصّ هذا الشاهد التأريخيّ برواية مطرف بن المغيرة بن شعبة ، قال:
«جاءَ [ المُغيرَةُ] ذاتَ لَيلَةٍ فَأَمسَكَ عَنِ العَشاءِ ، فَرَأيتُهُ مُغتَمّا ، فَانتَظَرتُهُ ساعَةً ، وظَنَنتُ أنَهُ لِشَيءٍ حَدَثَ فينا أو في عَمَلِنا . فَقُلتُ لَهُ : ما لي أراكَ مُغتَمّا مُنذُ اللَّيلَةِ؟ قالَ : يا بُنَيَّ ، إنّي جِئتُ مِن عِندٍ أخبَثِ النّاسِ ! قُلتُ لَهُ : وما ذاكَ؟ قالَ : قُلتُ لَهُ [ أي لِمُعاوِيَةَ ]وقَد خَلَوتُ بِهِ : إنَّكَ قَد بَلَغتَ مِنّا يا أميرَ المُؤمِنينَ ، فَلَو أظهَرتَ عَدلاً ، وبَسَطتَ خَيرا ، فَإِنَّكَ قَد كَبِرتَ ، ولَو نَظَرتَ إلى إخوَتِكَ مِن بَني هاشِمٍ ، فَوَصَلتَ أرحامَهُم ، فَوَاللّهِ ما

1.نهج البلاغة : الكتاب ۱۶ .


موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
108

ثالثا : الغرض من وضع حديث عبد اللّه بن زيد

لا يمكن إبداء وجهة نظر قاطعة حول الغرض من وضع هذا الحديث ، غير أنّ بعض المحقّقين يرجّح احتمال وضعه من قبل عمومة عبد اللّه بن زيد ، قال مبيّنا ذلك:
«ومن القريب جدّا أنّ عمومة عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا تلك الرؤيا وروّجوها ؛ لتكون فضيلة لبيوتاتهم وقبائلهم ، ولذلك نرى في بعض المسانيد أنّ بني عمومته هم رواة هذا الحديث ، وأنّ من اعتمد عليهم إنّما كان لحسن ظنّه بهم». ۱
وإنّنا نرى أنّ وضع هذا الحديث لا يخلو من أغراضٍ سياسيّة ، حاله حال الكثير من الأحاديث الموضوعة ، وقد أسلفنا آنفا ۲ أنّ الأذان فضلاً عن كونه تذكيرا بأحد أهمّ الواجبات الفرديّة وإعلاما لأوقاتها ، فهو شعار سياسيّ واجتماعيّ في غاية الأهميّة ، وهذا الشعار هو ليس فقط لتوفير الأرضيّة المناسبة لاستمرار سيادة الإسلام في المجتمعات الإسلاميّة ، وإقراره القيم الدينيّة الفاضلة فيها ، بل يمكن أن يؤدّي إلى انتقال تلك القيم إلى سائر المجتمعات الاُخرى . ومن هنا نلاحظ أنّ التيّارات السياسيّة التي ترى أنّ سيادة الإسلام الأصيل تتعارض مع مصالحها ، لا تتفاعل مع هذا الشعار .
ويبدو أنّ وضع حديث عبد اللّه بن زيد من قبل الحزب الاُمويّ وفي عصر سلطة معاوية المطلقة ، كان لغرض حذف شعار الأذان السياسيّ والاجتماعيّ أو تحريفهِ ، لأنّه إذا كان مصدر تشريع الأذان مستمدّا من رؤيا يراها عامّة الناس ، فإنّ الّذي يدّعي خلافة النبيّ صلى الله عليه و آله ـ بل خلافة اللّه تعالى في الأرض ـ يمكن تغيير خلافته

1.الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف : ص ۱۳۶ .

2.راجع : ص ۸۹ (حكمة الأذان / الحكمة الاجتماعيّة) .

  • نام منبع :
    موسوعة ميزان الحکمة - المجلّد الثّانی
    سایر پدیدآورندگان :
    عبدالهادي مسعودي، سيد رسول موسوي، سيد رضا حسيني، عبّاس پسنديده، غلامحسين مجيدي،
    تعداد جلد :
    5
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    01/01/1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 5058
صفحه از 516
پرینت  ارسال به