39
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

ورَكَّبَ في بَني آدَمَ كِلَيهِما»۱.

سُمّي عنصر الجهل في هذا الحديث «شهوة» ؛ فللملائكة عقل فحسب، وللبهائم عنصر الشهوة فحسب. فالملائكة عقل محض، والبهائم جهل محض.

في حين ينطوي كيان الإنسان على مزيج مركّب من العقل والجهل، أو العقل والشهوة، أو العقل والنفس الأمّارة.

۴ ـ الحكمة من تركيب العقل والجهل

إنّ أهمّ قضيّة تتعلّق بخلق العقل والجهل هي الحكمة الكامنة وراء مزج هذين العنصرين المتضادّين، ولماذا أودع اللّه‏ الحكيم في كيان الإنسان النفس الأمّارة ؟ ولماذا خلق له شهوة تدفع به نحو حضيض‏الجاهليّة؟ ولماذا لم يخلقه كالملائكة. مجرّد عقل بلا شهوة لكي لا يحوم حول الرذائل ؟

الجواب على ذلك: هو أنّ الخالق الحكيم أراد أن يخلق كائنًا له قدرة على الاختيار، فالحكمة والسرّ الكامن وراء هذا التركيب الممزوج من العقل والجهل في الإنسان هو خلق موجود حرّ له قدرة على الاختيار.

فالملائكة بما أنّهم مجرّدون من الشهوة يمتنع صدور القبيح منهم۲، ولهذا لا يمكنهم اختيار طريق آخر غير ما يأمر به العقل.

وكذلك البهائم ؛ فبما أنّها مجرّدة من العقل فهي غير قادرة على اختيار طريق غير الطريق الذي تدعوها إليه شهوتها.

وأمّا الإنسان، فنظرًا لكونه مركّبًا من عقل وشهوة فهو حرّ ولديه القدرة على الاختيار، وهذا هو ما يوجب أفضليّة الإنسان على سائر الموجودات الاُخرى،

1.راجع ص ۳۲ «خلق العقل والجهل» ح ۱۱ .

2.«لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ» التحريم : ۶ .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
38

ويُسمّى ب«النفس الأمّارة بالسوء» من حيث دفعه إلى عمل القبيح، ويُسمّى «شهوة»۱ من حيث تزيينه لكلّ ما هو فاسد. وأمّا خصائصه فهي كالآتي:

أ ـ خُلِق بعد العقل

تشير هذه الخاصّيّة إلى أنّ وجود الجهل وجود ذيليّ، وأنّه اُودع في كيان الإنسان في أعقاب خلق العقل لحكمة وفلسفة خاصّة به.

ب ـ خُلِق من الكدورة والظلمة

وفي مقابل قوّة العقل المخلوقة من النور خُلِق الجهل من الكدورة والظلمة.

وفي هذا المعنى إشارة إلى أنّ مقتضى قوّة الجهل يستدعيالتغاضي عن الحقائق، والنزوع إلى المعتقدات الوهميّة، وفعل القبيح، أو بكلمة واحدة: الضّلالة والغيّ۲، ولا يُجنى من ورائه سوى المرارة والخيبة.

ج ـ النزوع إلى الباطل

وخلافًا لما ينزع إليه العقل تميل قوّة الجهل إلى الاستسلام للباطل. وإذا كان الجهل جهلاً تامًّا لا يخالطه شيء من العقل فإنّه لا يتّبع الحقّ إطلاقًا.

«فَقالَ لَهُ: أدبِر، فَأَدبَرَ. ثُمَّ قالَ لَهُ: أقبِل، فَلَم يُقبِل»۳.

۳ ـ تركيب العقل والجهل

أحد الجوانب التي تستلزم التأمّل، فيما يخصّ خلق العقل والجهل هو تركيب هذين العنصرين في وجود الإنسان. قال الإمام عليّ عليه‏السلام في بيانه لهذا التركيب: «إنَّ اللّهَ عز و جل رَكَّبَ فِي المَلائِكَةِ عَقلاً بِلا شَهوَةٍ، ورَكَّبَ فِي البَهائِمِ شَهوَةً بِلا عَقلٍ،

1.راجع ص ۳۲ «خلق العقل والجهل» ح ۱۱ .

2.راجع ص ۱۹۶ «الزّلّة» .

3.راجع ص ۳۲ «خلق العقل والجهل» ح ۱۲ .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3302
صفحه از 316
پرینت  ارسال به