279
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

على الأعقاب. ويمكن إجمالاً تقسيم عوامل النكوص إلى مجموعتين: فرديّة، واجتماعيّة.

أ ـ الأسباب الفرديّة للنكوص

كلّ ما ذكر تحت عنوان «حجب العلم والحكمة» في كتاب «العلم والحكمة في الكتاب والسنّة»۱ وما ذكر في هذا الكتاب تحت عنوان «آفات العقل»۲ يُعدّ من أسباب انقلاب أفراد المجتمع على أعقابهم إلى الجاهليّة الاُولى التيوضع الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حدًّا لها عبر محاربته لهذه العوامل. وهذه الآفات العقليّة إذا ما وجدت لدى شخص ما بأيّة نسبة كانت فهيتقوده نحو الجاهليّة بنفس تلك النسبة.

وثمّة روايات اُخرى أكّدت على دخول شرب الخمر وتناول المسكر۳ في عداد العوامل الفرديّة لمثل هذا الانقلاب، وعلّلت الروايات اللاحقة لها هذه الظاهرة معتبرة الخمر اُمّ الفواحش ومفتاح كلّ شرّ ؛ فالإدمان على المسكرات والمخدّرات يمهّد الأجواء لتكريس كلّ حجب المعرفة ويجعل الإنسان عرضة للوقوع في مهاوي المعتقدات والأخلاق والأعمال الجاهليّة.

ب ـ العوامل الاجتماعيّة للنكوص

أمّا العوامل الاجتماعيّة لمثل هذا الرجوع القهقرى، فهي نفس الأمراض التيتهدّد أساس النظام الإسلاميّ، ومن أبرزها الاختلاف الذي قال فيه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «مَا اختَلَفَت اُمَّةٌ بَعدَ نَبِيِّها إلاّ ظَهَرَ أهلُ باطِلِها عَلى أهلِ حَقِّها»۴.

ومن العوامل الاُخرى للعودة إلى الجاهليّة ـ وهو أخطرها طبعًا ـ زعامة أئمّة الضلال، وهو ما قال فيه الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: «إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عَلى اُمَّتي الأَئِمَّةُ

1.القسم الرابع / الفصل الأول ص ۱۵۷ ـ ۱۷۹ .

2.القسم الأول / الفصل السادس ص ۱۴۱ ـ ۱۵۴ .

3.راجع ص ۲۷۵ / ما يوجب الرجعة إلى الجاهليّة / شرب المسكر .

4.كنزالعمّال : ۱ / ۱۸۳ / ۹۲۹ . ورد هذا المضمون أيضًا في نهج البلاغة : الخطبة ۱۹۲ .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
278

كانت نبوّته والتعاليم التي جاء بها من قبل اللّه‏ تعالى لتنظيم شؤون الحياة تطابق الموازين العقليّة والمعايير العلميّة، وحتّى إنّ العلماء لو عَنَّ لهم تقصّي حقائقها لثبت لهم بكلّ جلاء صدق ارتباطه بمبدأ الوجود: «وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَ يَهْدِى إِلَى صِرَ طِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ»۱.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، كان يحذّر الناس بشدّة من اتّباع ما لا علم لهم به ويتلو عليهم الآية الكريمة: «وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِى عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَلءِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْٔولاً»۲.

تحذير قرآنيّ

كثيرًا ما يؤكّد القرآن على ضرورة استمرار نهضة الإسلام العلميّة والثقافيّة ويحذّر المسلمين لئلاّ يعودوا بعد الرسول إلى ما كانوا عليه في عهد الجاهليّة، بقوله: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ»۳.

وتعني هذه الآية، وكذلك الآية ۳۳ من سورة الأحزاب: «وَ لاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى» وفقًا لتفسير الإمام الباقر عليه‏السلام: «أي سَيَكونُ جاهِلِيَّةٌ اُخرى» إشارة إلى عودة الجهل في تاريخ الإسلام، حتّى إنّه صلوات اللّه‏ عليه قال في هذا الصدد: «بُعِثتُ بَينَ جاهِلِيَّتَينِ ؛ لاَُخراهُما شَرٌّ مِن اُولاهُما»۴.

أسباب النكوص

توجد ثمّة قضيّة ذات أهمّيّة ولابدّ من تسليط الأضواء عليها، وتلك هي معرفة أسباب النكوص إلى عهد الجاهليّة، وهو ما عبّر عنه القرآن بالانقلاب

1.سبأ : ۶ .

2.الإسراء : ۳۶ .

3.آل عمران : ۱۴۴ .

4.الأمالي الخميسيّة : ۲ / ۲۷۷ عن حصين بن مخارق عن الإمام الكاظم عن آبائه عليهم‏السلام .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3325
صفحه از 316
پرینت  ارسال به