241
العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة

سبيلها، فلا مال تقتات به ولا راغب في نكاحها ينفق عليها، والابتلاء بأمر الأيتام من أكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لمكان دوام الحروب والغزوات والغارات، فبالطبع كان القتل شائعًا بينهم.

وكان من شقاء أولادهم أنّ بلادهم الخربة وأراضيهم القفرة البائرة كان يسرع الجدب والقحط إليها، فكان الرجل يقتل أولاده خشية الإملاق۱، وكانوا يئدون البنات۲، وكان من أبغض الأشياء عند الرجل أن يبشَّر بالاُنثى۳.

وأمّا وضع الحكومة بينهم فأطراف شبه الجزيرة وإن كانت ربّما ملك فيها ملوك تحت حماية أقوى الجيران وأقربها، كإيران لنواحي الشمال، والروم لنواحي الغرب، والحبشة لنواحي الجنوب، إلاّ أنّ قرى الأوساط كمكّة ويثرب والطائف وغيرها كانت تعيش في وضع أشبه بالجمهوريّة وليس بها، والعشائر في البدو بل حتّى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها وشيوخها وربّما تبدّل الوضع بالسلطنة.

فهذا هو الهرج العجيب الذي كان يبرز في كلّ عدّة معدودة منهم بلَونٍ، ويظهر في كلّ ناحية من أرض شبه الجزيرة في شكل مع الرسوم العجيبة والاعتقادات الخرافيّة الدائرة بينهم، وأضف إلى ذلك بلاء الاُمّيّة وفقدان التعليم والتعلّم في بلادهم فضلاً عن العشائر والقبائل.

وجميع ما ذكرناه من أحوالهم وأعمالهم والعادات والرسوم الدائرة بينهم ممّا يستفاد من سياق الآيات القرآنيّة والخطابات التي تخاطبهم بها أوضح استفادة، فتدبّر في المقاصد التي ترومها الآيات والبيانات التي تلقيها إليهم بمكّة أوّلا ً، ثمّ

1.إشارة إلى الآية ۱۵۱ من سورة الأنعام .

2.إشارة إلى الآية ۸ من سورة التكوير .

3.إشارة إلى الآية ۱۷ من سورة الزخرف .


العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
240

لهم اجتماعًا همجيًّا بدويًّا فيه أخلاط من رسوم اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة، وهم سكارى جهالتهم، قال تعالى: «وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ»۱.

وقد كانت العشائر وهم البدو على ما لهم من خساسة العيش ودناءته يعيشون بالغزوات، وشنّ الغارات، واختطاف كلّ ما في أيدي آخرين من متاع أو عرض، فلا أمن بينهم ولا أمانة، ولا سلم ولا سلامة، والأمر إلى من غلب، والملك لمن وضع عليه يده.

أما الرجال فالفضيلة بينهم سفك الدماء، والحميّة الجاهليّة، والكبر، والغرور، واتّباع الظالمين، وهضم حقوق المظلومين، والتعادي، والتنافس، والقمار، وشرب الخمر، والزنا، وأكل الميتة والدم وحشف۲ التمر.

وأمّا النساء فقد كنّ محرومات من مزايا المجتمع الإنسانيّ، لا يملكن من أنفسهنّ إرادة، ولا من أعمالهنّ عملاً ولا يملكن ميراثًا، ويتزوّج بهنّ الرجال من غير تحديد بحدّ كما عند اليهود وبعض الوثنيّة، ومع ذلك فقد كنّ يتبرّجن بالزينة، ويدعون من أحببن إلى أنفسهنّ، وفشا فيهنّ الزنا والسفاح حتّى في المحصنات المزوّجات منهنّ، ومن عجيب بروزهنّ أنّهنّ ربّما كنّ يأتين بالحجّ عاريات.

وأمّا الأولاد فكانوا ينسبون إلى الآباء لكنّهم لا يورثون صغارًا، ويذهب الكبار بالميراث، ومن الميراث زوجة المتوفّى، ويحرم الصغار ذكورًا وإناثًا والنساء، غير أنّ المتوفّى لو ترك صغيرًا ورثه، لكنّ الأقوياء يتولّون أمر اليتيم ويأكلون ماله، ولو كان اليتيم بنتًا تزوّجوها وأكلوا مالها ثمّ طلّقوها وخلّوا

1.الأنعام : ۱۱۶ .

2.الحشف : اليابس الفاسد من التمر ، وقيل : الضعيف الذي لا نوى له كالشيص النهاية : ۱ / ۳۹۱ .

  • نام منبع :
    العقل و الجهل في الکتاب و السّنّة
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1379
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3536
صفحه از 316
پرینت  ارسال به