301
جواهر الحكمة للشّباب

مِن فَرطِ فَرَحِهِ : «كانَ لِعَلِيِّ بنِ أبي طالِب يَدانِ يَمينانِ ، فَقُطِعَت إحداهُما يَومَ صِفّين ـ يَعني عَمّارَ بنَ ياسِر ـ وقُطِعَتِ الاُخرىَ اليَومَ ، وهُوَ مالِك الأَشتَرُ .
وكُلَّما كانَ يَذكُرُهُ الإِمامُ عليه السلام ، يَثقُلُ عَلَيهِ الغَمُّ وَالحُزنُ ، ويَتَحَسَّرُ عَلى فَقدِهِ . وحينَ ضاقَ ذَرعا مِنَ التَّحَرُّكاتِ الجائِرَةِ لِأَهلِ الشّام ، وتَأَلَّمَ لِعَدَمِ سِماعِ جُندِهِ كَلامَهُ ، وتَأَوَّهَ عَلى قُعودِهِم وخِذلانِهِم لَهُ في اجتِثاثِ جُذورِ الفِتنَةِ ، قالَ رَجُلٌ :
اِستَبانَ فَقدُ الأَشتَر عَلى أهلِ العِراق . لَو كانَ حَيّا لَقَلَّ اللَّغَطُ ، ولَعَلِمَ كُلُّ اِمرِىً ما يَقولُ .
نَطَقَ هذَا الرَّجُلُ حَقّا ، فَلَم يَكُن أحَدٌ في جَيشِ الإِمامِ عليه السلام مِثلَ مالِك .
حُِكيَ أنَّ مالِ كا الأَشتَرَ كانَ مُجتازا بِسوقِ الكوفَة وعَلَيهِ قَميصُ خامٍ وعِمامَةٌ مِنهُ ، فَرَآهُ بَعضُ السّوقَةِ ۱ فَازدَرى ۲ بِزِيِّهِ ؛ فَرَماهُ بِبُندُقَةٍ تَهاوُنا بِهِ ، فَمَضى ولَم يَلتَفِت ، فَقيلَ لَهُ : وَيلَكَ ! أ تَدري بِمَن رَمَيتَ ؟
فَقالَ : لا .
فَقيلَ لَهُ : هذا مالِك صاحِبُ أميرِ المُؤمِنين عليه السلام ، فَارتَعَدَ الرَّجُلُ ومَضى إلَيهِ لِيَعتَذِرَ مِنهُ ، فَرَآهُ وقَد دَخَلَ مَسجِدا وهُوَ قائِمٌ يُصَلّي ، فَلَمَّا انفَتَلَ أكَبَّ الرَّجُلُ عَلى قَدَمَيهِ يُقَبِّلُهُما ، فَقالَ : ما هذَا الأَمرُ ؟ !
فَقالَ : أعتَذِرُ إلَيكَ مِمّا صَنَعتُ .
فَقالَ : لا بَأسَ عَلَيكَ ، فَوَاللّهِ ما دَخَلتُ المَسجِدَ إلاّ لَأَستَغفِرَنَّ لَكَ . ۳

1.السُّوْقة من الناس : الرَّعِيَّة (النهاية : ج ۲ ص ۴۲۴) .

2.الازْدِراء : الاحتِقار والانتِقاص والعيب (النهاية : ج ۲ ص ۳۰۲) .

3.تنبيه الخواطر : ج ۱ ص ۲ .


جواهر الحكمة للشّباب
300

تَنفِروا فَانفِروا ، وإن أمَرَكُم أن تُقيموا فَأَقيموا ؛ فَإِنَّهُ لا يُقدِمُ ولا يُحجِمُ ولا يُؤَخِّرُ ولا يُقَدِّمُ إلاّ عَن أمري ، وقَد آثَرتُكُم بِهِ عَلى نَفسي لِنَصيحَتِهِ لَكُم ، وشِدَّةِ شَكيمَتِهِ عَلى عَدُوِّكُم» .
وكانَت تَعليماتُهُ عليه السلام الحُكومِيَّةُ ـ المَشهورَةُ بِـ «عَهدِ مالِكٍ الأَشتَر» ـ أعظَمَ وأرفَعَ وَثيقَةٍ لِلحُكومَةِ وإقامَةِ القِسطِ ، وهِيَ خالِدَةٌ عَلى مَرِّ التّاريخِ .
وكانَ مُعاوِيَة قَد عَقَدَ الأَمَلَ عَلى مِصر ، وحينَ شَعَرَ أنَّ جَميعَ خُطَطِهِ سَتَخيبُ بِذِهابِ مالِكٍ إلَيها ، قَضى عَلَيهِ قَبلَ وُصولِهِ إلَيها . وهكَذَا استُشهِدَ لَيثُ الوَغى ، وَالمُقاتِلُ الفَذُّ ، وَالنّاصِرُ الفَريدُ لِمَولاهُ ، بِطَريقَةٍ غادِرَةٍ بَعدَما تَناوَلَ مِنَ العَسَلِ المَسمومِ بِسَمٍّ فَتّاكٍ ، وعَرَجَت روحُهُ المُشرِقَةُ الطّاهِرَةُ إلَى المَلَكوتِ الأَعلى .
وحَزِنَ الإِمامُ عليه السلام لِمَقتَلِهِ ، حَتّى عَدَّ مَوتَهُ مِن مَصائِبِ الدَّهرِ . وأبَّنَهُ فَكانَ تَأبينُهُ إيّاهُ فَريدا ؛ كَما أنَّ وُجودَ مالِك كانَ فَريدا لَهُ في حَياتِهِ عليه السلام .
ولَمّا نُعِيَ إلَيهِ مالِك وبَلَغَهُ خَبَرُ استِشهادِهِ المُؤلِمِ ، صَعِدَ المِنبَرَ ، وقالَ :
«ألا إنَّ مالِكَ بنَ الحارِث قَد قَضى نَحبَهُ ، وأوفى بِعَهدِهِ ، ولَقِيَ رَبَّهُ ، فَرَحِمَ اللّهُ مالِ كا ! لَو كانَ جَبَلاً لَكانَ فِنداً ۱ ، ولَو كانَ حَجَرا لَكانَ صَلداً . لِلّهِ مالِكٌ ! وما مالِك ! وهَل قامَتِ النِّساءُ عَن مِثلِ مالِك ! وهَل مَوجودٌ كَمالِكٍ !» .
ومُعاوِيَة الَّذي كانَ فَريدا أيضا في خُبثِ طَوِيَّتِهِ ورَذالَتِهِ وضَعَتِهِ وقَتلِهِ لِلفَضيلَةِ ، طارَ فَرِحا بِاستِشهادِ مالِكٍ ، ولَم يَستَطِع أن يُخفِيَ سُرورَهُ ، فَقالَ

1.الفِنْد من الجبل : أنفه الخارج منه . وقيل : هو المُنفَرد من الجبال (النهاية : ج ۳ ص ۴۷۵) .

  • نام منبع :
    جواهر الحكمة للشّباب
    سایر پدیدآورندگان :
    احمد غلامعلی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3326
صفحه از 366
پرینت  ارسال به