299
جواهر الحكمة للشّباب

مَكيدَتِهِ ، فَأَسرَعَت جُموعٌ مِن جَيشِ الإِمامِ ـ وهُمُ الَّذينَ سَيُشَكِّلونَ تَيّارَ الخَوارِج ـ ومَعَهُمُ الأَشعَث إلى مُؤازَرَتِهِ ، فَازدادَ الطّينُ بِلَّةً بِحَماقَتِهِم . وهكَذا جَعَلُوا الإِمامَ عليه السلام في وَضعٍ حَرِجٍ لِيَقبَلَ الصُّلحَ ، ويُرجِعَ مالِكا عَن مَوقِعِهِ المُتَقَدِّمِ في مَيَدانِ الحَربِ . وكانَ طَبيِعيّا في تلكَ اللَّحظَةِ المَصيِريَّةِ الحاسِمَةِ العَجيبَةِ أن يَرفُضَ مالِك ، ويَرفُضَ مَعَهُ الإِمامُ عليه السلام أيضا ، لكِن لَمّا بَلَغَهُ أنَّ حَياةَ الإِمامِ في خَطَرٍ ، عادَ بِروحٍ مَلَأَها الحُزنُ وَالأَلَمُ ، فَأَغمَدَ سَيفَهُ ، ونَجا مَعاوِيَةُ الَّذي أوشَكَ أن يَطلُبَ الأَمانَ مِن مَوتٍ مُحَقَّقٍ ، وخَرَجَ مِن مَأزَقٍ ضاقَ بِهِ !
وشاجَرَ مالِك الخَوارِج وَالأَشعَث ، وكَلَّمَهُم في حَقيقَةِ ما حَصَلَ ، وأنبَأَهُم بِما يَملِكُ مِن بَصيرَةٍ وبُعدِ نَظَرٍ ، أنَّ جَذرَ تَقَدُّسِهِم يَكمُنُ في تَمَلُّصِهِم مِنَ المَسؤولِيَّةِ ، وشَغَفِهِم بِالدُّنيا .
وحينَ اقتَرَحَ الإمامُ عليه السلام عَبدَ اللّهِ بنَ عَبّاس لِلتَّحكيمِ ورَفَضَهُ الخَوارِج وَالأَشعَث ، اقتَرَحَ مالِك ا ، فَرَفَضوهُ أيضا مُصِرّينَ عَلى يَمِانيَّةِ الحَكَمِ ، في حينٍ كانَ مالِك يَمِانيَّ المَحتِدِ ، وهذا مِن عَجائِبِ الاُمورِ !
وعادَ مالِك بَعدَ صِفّين إلى مُهِمَّتِهِ . ولَمَّا اضطَرَبَت مِصر عَلى مُحَمَّدِ بنِ أبي بَكر وصَعُبَ عَلَيهِ أمرُها وتَمَرَّدَ أهلُهَا ، انتَدَبَ الإِمامُ عليه السلام مالِك ا ووَلاّهُ عَلَيها . وكانَ قَد خَبَرَ كِفاءَتَهُ ، ورِفعَتَهُ ، واستِماتَتَهُ ، ودَأبَهُ ، ووَعيَهُ ، وخُبرَتَهُ فِي العَمَلِ ، فَكَتَبَ إلى أهلِ مِصر كِتابا يُعَرِّفُهُم بِهِ ، قالَ فيهِ : « ... بَعَثتُ إلَيكُم عَبدا مِن عِبادِ اللّهِ ، لا يَنامُ أيّامَ الخَوفِ ، ولا يَنكُلُ عَنِ الأَعداءِ ساعاتِ الرَّوعِ ، أشَدَّ عَلَى الفُجّارِ مِن حَريقِ النّارِ ، وهُوَ مالِكُ بنُ الحارِث أخو مَذحِج ، فَاسمَعوا لَهُ وأطيعوا أمرَهُ فيما طابَقَ الحَقَّ ؛ فَإِنَّهُ سَيفٌ مِن سُيوفِ اللّهِ ، لا كَليلُ الظُّبَةِ ولا نابِي ۱ الضَّريبَةِ ؛ فَإِن أمَرَكُم أن

1.يقال : نَبا حدُّ السَّيف : إذا لم يَقْطَع (النهاية : ج ۵ ص ۱۱) .


جواهر الحكمة للشّباب
298

حَربِ الجَمَل . وكانَت هذِهِ المَنطَقَةُ قَريبَةً مِن الشّام الَّتي كانَ يَحكُمُها مُعاوِيَة . وَاستَدعاهُ الإِمامُ عليه السلامقَبلَ حَربِ صِفّين .
وكانَ عَلى مُقَدَّمَةِ الجَيشِ فِي البِدايَةِ ، وقَد هَزَمَ مُقَدَّمَةَ جَيشِ مُعاوِيَة .
ولَمَّا استوَلى جَيشُ مُعاوِيَة عَلَى الماءِ وأغلَقَ مَنافِذَهُ بِوَجهِ جَيشِ الإِمامِ عليه السلام ، كانَ لِمالِكٍ دَورٌ فاعِلٌ في فَتحِ تِلكَ المَنافِذِ وَالسَّيطَرَةِ عَلَى الماءِ . وكانَ فِي الحَربِ مُقاتِلاً باسِلاً مِقداما ، رابِطَ الجَأشِ مُجِدّا مُستَبسِلاً ، وقَد قاتَلَ بِقَلبٍ فَتِيٍّ وشَجاعَةٍ مُنقَطِعَةِ النَّظيرِ . وتَوَلّى قِيادَةَ الجَيشِ مَعَ الأَشعَث ، وكانَ عَلى خَيّالَةِ الكوفَة طولَ الحَربِ ، وأحيانا كانَ يَقودُ أقساما اُخرى مِنَ الجَيشِ .
وفي مَعارِكِ ذِي الحِجَّة الاُولى كانَتِ المَسؤولِيَّةُ الأَصلِيَّةُ وَالدَّوُر الاَساسي لِلقِتالِ عَلى عاتِقِهِ . وفِي المَرحَلَةِ الثّانِيَةِ ، في شَهرِ صَفَر ، كانَ يَقودُ القِتالَ أيضا يَومَينِ في كُلِّ ثَمانِيَةِ أيّامٍ .
وكانَ لَهُ مَظهَرٌ عَجيبٌ فِي المُنازَلاتِ الفَردِيَّةِ لِلقِتالِ ، وفي حَلِّ عُقَدِ الحَربِ ، وعِلاجِ مَشاكِلِ الجَيشِ ، وَالنُّهوضِ بِعِب ءِ الحَربِ ، وَالسَّيرِ بِها قُدما بِأَمرِ الإِمامِ عليه السلام . بَيدَ أنَّ مَظهَرَهُ الباهِرَ الخالِدَ قَد تَجَلّى فِي الأَيّامِ الأَخيرَةِ مِنها ، بِخاصَّةِ «يَومِ الخَميس» و «لَيلَةِ الهَرير» .
وكانَ يَومُ الخَميس ولَيلَةُ الجُمُعَة «لَيلَةُ الهَرير» مَسرَحا لِعَرضٍ عَجيبٍ تَجَلَّت فيهِ شَجاعَتُهُ ، وشَهامَتُهُ ، وَاستِبسالُهُ ، وقِتالُهُ بِلا هَوادَةٍ ، إذ خَلخَلَ نَظمَ الجَيشِ الشّامِيِّ ، وتَقَدَّمَ صَباحَ الجُمُعَة حَتّى أشرَفَ عَلى خَيمَةِ القِيادَةِ .
وصارَ هَلاكُ العَدُوِّ أمرا مَحتوما ، وبَينا كانَ الظُّلمُ يَلفَظُ أنفاسَهُ الأَخيرَةَ ، وَالنَّصرُ يَلتَمِعُ في عُيونِ مالِك ، تَآمَرَ عَمرُو بنُ العاص ونَشَرَ فَخَّ

  • نام منبع :
    جواهر الحكمة للشّباب
    سایر پدیدآورندگان :
    احمد غلامعلی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    انتشارات دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 3379
صفحه از 366
پرینت  ارسال به