59
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

۰.وكلَّتْ دونه الأبصارُ ، وضلَّ فيه تصاريفُ الصفاتِ .

قوله : (وَكَلَّتْ دونَه الأبصارُ) .
ليس هذا تكراراً لقوله : «لا تدركه الأبصار» وهو ظاهر .
قوله : (وضَلَّ فيه تَصاريفُ الصفاتِ) .
«تصاريف» جمع تصريف ، بمعنى الاسم لا المصدر ؛ لأنّه لا يجمع كتعاريف وتراكيب .
و تصريف الرياح : تحويلها من حال إلى حال جنوباً وشمالاً ودبوراً وصبا وسائر أجناسها ؛ كذا في الغريب . ۱
فالمعنى أنّ الصفات التي يصرفها الإنسان من حال إلى حال ، الجاريةَ في الممكن ـ كأن يوصف زيد مثلاً بالكرم تارةً ، وبالبخل اُخرى ، أو بزيادة كلّ منهما ونقصانه ، وبالطول تارة والقِصَر اُخرى ، إلى غير ذلك ـ ممّا يجد تصريف الصفة إلى وصفه بذلك طريقاً واضحاً ، وسبيلاً سهلاً ، فيصرفه بما يوافق حال الموصوف ؛ واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن التغيّر والتبدُّل وغيرهما ممّا يجد تصريف الصفات إليه سبيلاً ، فيكون ضالاًّ تائهاً لو رامَ ذلك .
أو المعنى أنّ صفاته تعالى لا يمكن معرفتها بكنهها ، فلو رام أحد تصريفها كتصريف صفات غيره الموجب لذلك ، كان ذلك التصريف ضالاًّ . أو بمعنى أنّ تصاريف الصفات مع كثرتها وكثرة طرُقها تاهت عن الوصول إلى حقيقة ذاته وكنه صفاته . وهو من باب « عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ » ۲ ، والمقصود منه النهي عن وصفه تعالى بغير ما وصف به نفسه والوقوف عند ذلك ، وإنّ من لم يكن كذلك كان ضالاًّ في وصفه ، ذاهباً على غير الطريق الذي أمر بسلوكه .

1. غريب القرآن ، ص ۳۹۵ .

2. الحاقّة (۶۹) : ۲۱ ؛ القارعة (۱۰۱) : ۷ .


الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
58

۰.وحقيقة ربوبيّته .
لا تَضبطُه العقولُ ، ولا تَبلغُهُ الأوهامُ ، ولا تُدركه الأبصارُ ، ولا يُحيط به مقدارٌ ، عجزَتْ دونه العبارةُ ، .........

قوله : (وحَقيقةِ رُبوبِيَّتِه) ، أي ولإظهار حقيقة الربوبيّة ، أو ولحقيقة الربوبيّة ، أي فعل ذلك لما اقتضته ربوبيّته الثابتة حقّاً . وكان المراد بإظهار حقيقة الربوبيّة أنّ اللّه سبحانه كان ربّاً ولا مربوب ، وإلهاً ولا مألوه .
و«الرب» هو السيّد المالك ، ومعناه قيام الأشياء بتربيته ، فكانت حقيقة الربوبيّة قبل خَلْق الأشياء غير ظاهرة ، فبعد خَلْقها ظهرت الحقيقة .
قوله : (لا تَضْبِطُه العقولُ ، ولا تَبْلُغُه الأوهامُ) .
مناسبة الضبط للعقول ، والبلوغ للأوهام ظاهرةٌ ؛ لأنّ العقل يُدرك الأشياء التي يتعلّق بها على وجهها إذا لم يخالطه شيء ويضبطها ويعقلها ؛ ولهذا سُمّي عقلاً ، بخلاف الأوهام ، فإنّ دائرتها أوسع .
قوله : (عَجَزَتْ دونَه العِبارَةُ) ، أي دون أن تصل إلى ذاته بالتعبير عنها بوجه من الوجوه ؛ أو إلى صفته ، أي دون أن تصل إلى كنهها ؛ أو عمّا يعمّ الذات والصفة ، أي دون أن تصفه من نفسها ودون التعبير عن الذات ، أو دون حقيقة الذات والصفة ، فإنّ التعبير عن الذات بالصفات ، وعن الصفات تعبير بما لا تدرك معه الحقيقة ، أو باعتبار صفاته التي هي عين ذاته .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    سایر پدیدآورندگان :
    محمّد حسين درايتي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 7902
صفحه از 715
پرینت  ارسال به