133
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
132

۰.أما إنّي إيّاك آمُرُ ، وإيّاك أنهى وإيّاك اُعاقبُ ، وإيّاك اُثيبُ» .

وقوله تعالى : «أما إنّي إيّاك آمُرُ ... » الظاهر منه ـ واللّه أعلم ـ أنّ اللّه سبحانه لمّا أمَر العقل وأعلَمَه أنّه خلقه ليكون حجّته الباطنة على عباده ودليلهم على سبيل النجاة ، وبذلك قد يظنّ العقل أنّه لخلقه لذلك غير مكلّف وأنّ مخاطبته بالأمر والنهي لا يترتّب على خلافها عقابٌ وثوابٌ يرجعان إليه ، فنَبَّهَهُ تعالى بقوله «أما إنّي ...» أي أما إنّ الأمر الذي أمرتك به بقولي «أقبل» و«أدبر» مختصّ بك ومنحصر فيك ، وإيّاك أنهى فيما أنهاك عنه لا غيرك، وإيّاك اُثيب إذا امتثلتَ،وإيّاك اُعاقب إذا لم تنته.
ويحتمل ـ واللّه أعلم ـ أن يكون ذكر «آمر» دون «أمرت» ليتناول غير هذا الأمر أيضاً . و«أنهى» كذلك ليتناول النهي الذي استلزمه هذا الأمر وغيره ، وحاصله إرادة : إيّاك أقصد بكلّ أمر ونهي .
وقد يستعمل مثل هذا والمراد به ما تقدّم من الأمر ونحوه ، فيقول بعده : إيّاك أعني بكلامي .
ويمكن في مثله إرادة ما وقع في هذه الحال وإن كان قد مضى ، فإنّه قد يسمّى حالاً عرفاً ؛ واللّه أعلم .
إذا تقرّر هذا فلا منافاة بين هذا الحديث والحديث الذي يأتي في هذا الباب : «بك آخُذُ ، وبك أُعطي» ۱ أي بسببك أخذ المسيء بإساءته والمذنب بذنبه ، وبسببك أعطي الثواب ونحوه ، فإنّ العقل لكونه دليلاً ومرشداً سببٌ لذلك ؛ وكذلك ماورد في حديث آخر : «بك اُثيب ، وبك اُعاقب» ۲ نقل هذا الحديث والدي طاب ثراه .
فإنّ الحديث الأوّل في هذا الباب يتعلّق أمره ونهيه وثوابه وعقابه بنفس العقل ، وهذان بغيره ؛ فلا منافاة .
وأيّ بُعد في أن يكون العقل مكلّفاً بنوع من التكليف وهو الطاعة والانقياد بل غير العقل أيضاً ممّا يتعلّق به الأمر والنهي منه تعالى ، ويترتّب على ذلك نوعٌ من الثواب والعقاب ، كما في حديث العقل وجنوده والجهل وجنوده ، فإنّه لمّا قال تعالى للجهل : أقبل ، فلم يقبل ، قال له : استكبرت ، فلعَنه ، وقول الجهل : ياربّ ، هذا خلقٌ مثلي خلقتَه وكرّمتَه وقوّيتَه ، إلى أن قال تعالى للجهل : فإن عصيتَ بعد ذلك أخرجتُك وجندَك من رحمتي .
ومثل هذا ظاهرٌ فيما ذكرناه ؛ فظهر الفرق بين تكليف العقل وما خلق لأجله .
ولا ينافي ذلك علمه تعالى بعدم معصية العقل ، فقد خاطب تعالى أنبياءه ونحوهم ممّن يعلم عدم وقوع معصية منهم بمثل ذلك ، كقوله تعالى : «لَـلـءِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» ۳ لحكمة في ذلك ومصلحة نحو إسماع غير النبي صلى الله عليه و آله بأنّ مثله لو حصَل منه ذلك لترتَّبَ عليه ما ذُكر ، فيكون أبلغ في الزجر وقبول المأمور به وترك المنهيّ عنه ، وككونه من قبيل «القولُ لَكِ ياكنّه لِتسمعي باجارة» ونحو ذلك ممّا اللّه سبحانه أعلم بحقيقته .
ولا يليق بَعَدْلِه سبحانه أن يجعل عقاب المدلول على الدالّ ، ليكون المعاقب العقل بجناية صاحبه «وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخرى» . ۴
واحتمال إرادة النفس الناطقة أو بعض مراتبها بعيد ؛ واللّه تعالى أعلم .

1. الكافي ، ج ۱ ، ص ۲۸ ، كتاب العقل والجهل ، ح ۳۲ .

2. الفقيه ، ج ۴ ، ص ۳۶۸ ، ح ۵۷۶۲ ؛ كنز الفوائد ، ج ۱ ، ص ۵۷ ؛ السرائر ، ج ۳ ، ص ۶۲۰ (مستطرفات) ؛ مكارم الأخلاق ، ص ۴۴۲ ، الفصل الثالث في وصية النبيّ صلى الله عليه و آله ؛ أعلام الدين ، ص ۱۷۲ ؛ عوالى اللئالي ، ج ۴ ، ص ۹۹ ، ح ۱۴۲ ؛ وفي بحارالأنوار ، ج ۷۴ ، ص ۶۰ ، باب ما أوصى رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلى أميرالمؤمنين عليه السلام ، ح ۳ عن مكارم الأخلاق .

3. الزمر (۳۹) : ۶۵ .

4. الأنعام (۶) : ۱۶۴ ؛ الإسراء (۱۷) : ۱۵ ؛ فاطر (۳۵) : ۱۸ ؛ الزمر (۳۹) : ۷ .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    سایر پدیدآورندگان :
    محمّد حسين درايتي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 8002
صفحه از 715
پرینت  ارسال به