131
الدرّ المنظوم من كلام المعصوم

الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
130

۰.محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «لمّا خلقَ اللّه ُ العقلَ استنطَقَه ، ثمّ قال له : أقبِلْ ، فأقبَلَ ، ثمّ قال له : أدْبِر ، فأدبَرَ ، ثمّ قال : وعزّتي وجلالي ، ما خلقتُ خلقا هو أحبُّ إليَّ منك ، ولا أكملتُك إلاّ فيمن اُحِبُّ ، .........

قوله عليه السلام : (لَمّا خَلَقَ اللّه ُ العقلَ استنطقه ، ثمّ قالَ له : أقْبِلْ فَأقْبَلَ ، ثمّ قالَ له : أدْبِرْ فَأدْبَرَ ، ثمّ قالَ : وعِزَّتي وجَلالي ما خَلَقْتُ خَلْقاً هو أحَبُّ إليَّ مِنك ، ولا أكْمَلْتُك إلاّ في مَن اُحِبُّ ، أما إنّي إيّاك آمُرُ ، وإيّاك أنْهى ، وإيّاك أُعاقبُ ، وإيّاك اُثيبُ) .
قوله عليه السلام : «استنطقه» يحتمل أن يكون معناه أنّه تعالى أراد منه النطق ـ مع إقداره عليه ـ بالإقرار له تعالى بما يريده منه ؛ وأن يكون جعل فيه قوّة النطق .
أو أنّ النطق بمعنى الفهم والإدراك ، وأن يكون بمعنى «كلّمه» . قال في الصحاح : واستنطقه ، أي كلّمه . ۱
والإتيان ب «ثمّ» إمّا لتراخي القول عن كلام سابق ، أو لكون «ثمّ» هنا بمعنى الفاء ، كقوله : جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب . ويؤيّده قوله : «ثمّ قال له : أدبِرْ فأدْبَرَ» وكذا قوله : «ثمّ قال» فإنّ الظاهر تعاقب الأمرين ، وإن كان في الأوّل أظهر .
ونُطق العقل بأيّ معنى اعتبر غير مستحيل بالنسبة إلى قدرته تعالى ؛ قال
تعالى : «قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْ ءٍ» ۲ ؛ «قَالَتَآ أَتَيْنَا طَـآلـءِعِينَ» ۳ ؛ « وَ إِن مِّن شَىْ ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِى» ۴ ومنكر ذلك منكر لكمال قدرته تعالى .
والإقبال والإدبار بمعنى الذهاب والإياب لتمام امتثال الأمر ، كما أنّ من أراد اختبار طاعة عبده مثلاً ، فيقول له : اذهب ، ثمّ يقول له : ارجع ، فإنّ ۵ به يظهر الانقياد والطاعة ولزوم الحجّة في مثل أمره تعالى ، وقد يكون ذلك في أمر غيره .
ولا بُعد في وصف العقل بالإقبال والإدبار ۶ والذهاب والإياب ، وكذا ما أشبهه من الحواسّ والفكر والنفس ، فإنّ هذه الأشياء تذهب وتجيء وتفارق على وجه يناسب نسبته إليها ، ولا ينحصر ذلك فيما يعهد من إقبال نحو الإنسان بوجهه وحركته نحو الأمر ۷ وإدباره كذلك عنه ، فإنّ لكلّ مقام مقالاً .
وفي حديث العقل وجنوده أنّه أوّل خلق من الروحانيين ۸ ، فلا بُعد في أن يجعله اللّه تعالى على حالة يتّصف بها بالإقبال والإدبار بالمعنى المتعارف ، ويكون مأموراً بالإقبال والإدبار إلى جهةٍ أُمِرَ بالإقبال والإدبار إليها وعنها ، فإنّه لا دليل في الحديث على أنّ أمره ، بل ولا خلقه قبل خلق المكان ، وقد أعطى اللّه الملائكة والجنّ قدرة التشكّل بأشكال بني آدم وغيرهم ، فأيّ مانع من كون العقل كذلك ولو في حالة الأمر بالإقبال والإدبار ، ولكن هذا غير محتاج إليه بعد ملاحظة ما تقدّم .
وإكماله تعالى العقل إمّا بمعنى أنّه تعالى إذا رأى من عبد طاعةً وانقياداً ، وكان قد أعطاه شيئاً من العقل ، تَفَضَّلَ عليه بحصّة اُخرى ليعمل بها ، كما عمل بما قسم اللّه له أوّلاً ، لتكون مرتبته أعلى وأسنى .
وإمّا بمعنى أنّه تعالى يمدّ عبده الذي قد أحبّه بطاعته وانقياده بالهداية والتوفيق لأن يعمل بما أعطاه من العقل ولا يخالفه . وذلك قد يرجع إلى اختيار العبد ذلك ، كما في الحديث القدسي : «وإنّه ليتقرّب إليّ بالنوافل حتّى اُحِبَّه ، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسمَعُ به ، وبَصَرَه الذي يَبصر به ، ولسانَه الذي يَنْطِقُ به ، ويَدَه التي يَبْطِشُ بها ، إن دَعاني أجَبْتُه ، وإن سألَني أعطَيْتُهُ» . ۹
وقد يكون ذلك منه تعالى من أوّل الأمر ؛ لعلمه بأنّه يطيع وينقاد ، فالعقل على الأوّل ناقص بالنسبة إلى ما اُضيف إليه ، وعلى الثاني باعتبار عدم العمل بمقتضاه ، فنقصه يرجع إلى نقص صاحبه .

1. الصحاح ، ج ۴ ، ص ۳۲۶ (نطق) .

2. فصّلت (۴۱) : ۲۱ : « وَ قَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْ ءٍ » .

3. فصّلت : (۴۱) : ۱۱ : « فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَـآلـءِعِينَ » .

4. الإسراء (۱۷) : ۴۴ : « تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَـاوَتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَن فِيهِنَّ وَ إِن مِّن شَىْ ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِى » .

5. في «ألف ، ب» : فإنّه» .

6. في «د» : «بالإدبار والإقبال» .

7. في «ألف» : «الآمر» .

8. الكافي ، ج ۱ ، ص ۲۰ ، كتاب العقل و الجهل ، ح ۱۴ .

9. المؤمن ، ص ۴۳ ، باب ما خصّ اللّه به المؤمن من الكرامات والثواب ، ح ۶۲ ؛ المحاسن ، ج ۱ ، ص ۲۹۱ ؛ باب المحجوبات من كتاب مصابيح الظلم ، ح ۴۴۳ ؛ الكافي ج ۲ ، ص ۳۵۲ ، باب من أذى المسلمين واحتقرهم ، ح ۷ و۸ ؛ إرشاد القلوب ، ج ۱ ، ص ۹۱ ، الباب الثاني والعشرون في فضل صلاة الليل ؛ جامع الأخبار ، ص ۸۱ ، الفصل الثامن والثلاثون في صوم رمضان وغيره ؛ عوالي اللئالي ، ج ۴ ، ص ۱۰۳ ، ح ۱۵۲ ؛ وسايل الشيعة ، ج ۴ ، ص ۷۲ ، ح ۴۵۴۴ ؛ وفي بحارالأنوار ، ج ۶۷ ، ص ۲۲ ، باب حبّ اللّه ، ح ۲۱ ، عن المحاسن ؛ و ج ۷۲ ، ص ۱۵۵ ، باب من أخاف مؤمنا... ، ح ۲۵ عن الكافي .

  • نام منبع :
    الدرّ المنظوم من كلام المعصوم
    سایر پدیدآورندگان :
    محمّد حسين درايتي
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    سازمان نشر دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1384
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 8004
صفحه از 715
پرینت  ارسال به